الدين على الإنترنت.. حين يتحوّل الدين إلى فوضى رقمية

 

 

في زمن تحوّلت فيه الهواتف إلى منابرٍ دعويةٍ مفتوحة، أصبحت الشبكة العنكبوتية ساحةً جديدةً للصراع الفكري والديني، حيث تختلط الحقائق بالأوهام، والعقيدة بالإثارة، والإيمان بالتطرف.
لم يعد الخطر على الدين في ساحات الحروب ولا في فكر المستشرقين، بل في “المنصات الدعوية الرقمية” التي تتزيّن بلباس الوعظ لتخفي وراءها خطابًا متشددًا يُفرّغ الإسلام من رحمته ويملؤه غضبًا وكراهية.
تلك هي معركة “الوعي الديني المزيّف”، التي تخوضها الأمة الإسلامية اليوم وسط زخمٍ رقميٍّ ، حيث تُختطف العقول باسم الدين، ويُعاد تشكيل الإيمان.

منابر إلكترونية

لم يعد التطرف بحاجة إلى منابر المساجد ولا إلى تجمعاتٍ سريةٍ كما في الماضي؛ فقد وجدت الجماعات المتشددة في المنصات الرقمية فضاءً رحبًا لبثّ فكرها.
يكفي أن يفتح الشاب هاتفه، حتى يجد أمامه “داعيةً” مجهول الهوية يُلقي خطبًا نارية، يُحرّض باسم الله، ويُكفّر باسم القرآن، ويستدل بآياتٍ مجتزأةٍ وأحاديث منزوعة السياق.
هكذا يتحوّل الدين إلى مادةٍ مشتعلةٍ تُغذي العنف، وتُبرر القتل، وتُقسّم الأمة إلى “مؤمنين” و”كافرين” وفق معايير من يدّعون احتكار الفهم.

تقرير “مرصد الأزهر لمكافحة التطرف” يؤكد أنّ الجماعات المتشددة استغلت الإعلام الرقمي لتسويق دعايتها تحت غطاء “الدروس الشرعية”، مستعملةً أدواتٍ بصريةٍ جذّابة ومؤثراتٍ صوتيةٍ مؤثرة لجذب المراهقين والشباب، مستغلةً جهل البعض بأسس الفقه والعقيدة.
لكنّ الإسلام الحنيف وضع قاعدة الدعوة على الرحمة لا الكراهية، قال تعالى:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]،
وهي آيةٌ تُبيّن بوضوح أن طريق الهداية بالحكمة والموعظة الحسنة.

كيف يصنع الذكاء الاصطناعي التطرف؟

التطرف اليوم لم يعد صوتًا بشريًا فقط
فالذكاء الاصطناعي، الذي صُمّم لخدمة الإنسان، أصبح أداةً بيد دعاة الفتنة لصناعة محتوى متشدد ينتشر داخل الفضاء الرقمي.
برمجياتٌ آلية تملأ الشاشات بمقاطع قصيرة تُثير الغضب وتغذي روح الانتقام، لتصنع “فقاعة فكرية” يعيش فيها المستخدم مقتنعًا بأنه على الحق المطلق، وأنّ العالم كله على ضلال.

هذه الظاهرة تُعرف بـ”التغذية العاطفية الرقمية”، حيث تقوم الخوارزميات بتغذية المستخدم بالمحتوى المتوافق مع مشاعره وانفعالاته، لتُعيد تدوير الكراهية داخله.
وهكذا يتحول الدين إلى تجربةٍ رقميةٍ مغلقة، لا يسمع فيها الشاب إلا صوته، ولا يرى إلا من يوافقه.

وقد حذّر النبي ﷺ من مثل هذا الانغلاق، فقال:

«يأتي على الناس زمانٌ القابضُ على دينه كالقابض على الجمر» (رواه الترمذي)،
أي أن التمسك بالإيمان الصحيح في زمن الفتن يتطلب بصيرةً تميّز الحق من الباطل، لا انفعالًا يُساق بالعاطفة دون علمٍ أو فهم.

صُنّاع “الوعي المزيّف”حين تُدار الفتنة من وراء الشاشات

من يقف وراء هذا التيار الذي يلبس ثوب الإصلاح وهو في جوهره هدمٌ للعقل والدين؟
تشير دراسات الأزهر الشريف وتقارير دولية إلى أن جماعاتٍ منظمةٍ تعمل على زعزعة الثقة بين الشباب والمؤسسات الدينية المعتبرة، عبر حملاتٍ رقميةٍ منهجية تستهدف رموز العلم الشرعي.
هؤلاء يصوّرون العلماء بأنهم “علماء سلطة”، ويُقدّمون أنفسهم كـ”المجددين الأحرار”، بينما هدفهم الحقيقي هو تفكيك المرجعية الوسطية التي تُمثل صمام الأمان الفكري للأمة.

لقد قال الله تعالى محذرًا من هذه الفتن:

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].
فكلّ من يهاجم العلماء، ويُشكك في الأزهر، ويدعو إلى العزلة الفكرية، إنما هو امتدادٌ لمحاولات إطفاء النور الرباني الذي حمله الإسلام منذ فجره، نور العلم والرحمة والعقل.

الأزهر في مواجهة “التزييف الإلكتروني”.. مرجعيةٌ وسطية وحصانة فكرية

في مواجهة هذا الطوفان الرقمي، وقف الأزهر الشريف كعادته في الصف الأول مدافعًا عن الدين الصحيح، مطلقًا “مرصد الأزهر لمكافحة التطرف”، وهو مشروعٌ رائد يرصد يوميًا آلاف المنشورات المتطرفة، ويحلل مضامينها، ويرد عليها بلغاتٍ متعددة.
ولم يكتفِ الأزهر بالردّ الفكري، بل أطلق مبادراتٍ توعوية مثل “فكر قبل أن تُشارك”، و”وعيك أمانك”، و”تعرّف على دينك”، بهدف تحصين الشباب من الوقوع فريسة للمحتوى الزائف.

ويؤكد علماء الأزهر أن المعركة اليوم هي “معركة وعي”، لا تُكسب بالسلاح، بل بالعلم والحوار والإدراك.
يقول الله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]،
وهي قاعدةٌ شرعيةٌ خالدة، تُلزم المسلم بأخذ الدين من العلماء الموثوقين لا من دعاة مجهولين على الإنترنت.
الشباب.. الفريسة الأكبر في زمن الخطاب الديني الفوضوي

الشباب، بما يحملونه من حماسٍ وعاطفةٍ، هم الهدف الأول للخطاب المتشدد.
في لحظة ضعفٍ أو فراغٍ روحي، يقع الشاب فريسة لمحتوى يَعِده بالجنة السريعة، أو يبرر له كراهية الآخر باسم “الغيرة على الدين”.
وتُظهر بيانات مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أنّ أكثر من 70% من الحالات الفكرية التي تعامل معها المركز تخص شبابًا تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عامًا، وقد تأثروا جميعًا بمحتوى رقميٍّ غير موثوق.

وهنا يتجلّى دور الخطاب الديني المستنير في إعادة بناء الوعي، عبر محتوى رقميٍّ معتدل يستخدم ذات الأدوات، الصورة، الفيديو، والتفاعل لكن بروح النور لا الظلام.
فالنبي ﷺ قال:

«إنما بعثت متممًا لمكارم الأخلاق» (رواه البخاري)،
وهي رسالة واضحة بأن الإسلام ليس مشروع قتالٍ ولا كراهية، بل مشروع تربيةٍ للإنسان على مكارم الأخلاق والرحمة.

إذا كان التطرف يُصنع في فضاءٍ رقميٍّ مغلق، فإن علاجه لا يكون إلا بفتح آفاق الفكر الحر.
الإسلام دين العقل، لا دين النقل الأعمى، وقد قال الله تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]،
دعوةٌ صريحة للتفكر، ولإعمال العقل في فهم النصوص لا لاجتزائها.

إن بناء “وعي ديني أصيل” يبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام، عبر غرس قيم الحوار والوسطية والبحث عن الدليل، لا تقليد الأصوات العالية على المنصات.
فالجيل الذي يُربّى على التفكير النقدي لن يكون أبدًا صيدًا سهلاً لدعاة الغلوّ.
والتربية الإيمانية الصحيحة لا تكون بحفظ المقاطع، بل بالعيش في روح الدين التي تُثمر خلقًا وسلوكًا.

بين النور والسراب.. معركة الوعي مستمرة

إنّ معركة “الوعي الديني المزيّف” ليست مجرد جدلٍ رقمي، بل معركة مصيرٍ للأمة في مواجهة الانحراف الفكري والعنف باسم الله.
فالفضاء الإلكتروني الذي جمع العالم على كلمةٍ واحدة، صار أيضًا ميدانًا للتيه، تُنشر فيه الفتن تحت راياتٍ مقدّسة.

وقد حدّد النبي ﷺ طبيعة هذه المواجهة منذ قرونٍ بقوله:
«يحمل هذا العلم من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (رواه البيهقي).

وفي ضوء هذا الحديث، يظل الأزهر الشريف، بعلمه واعتداله، الحصن الأخير في وجه هذا التزييف، يُعيد صياغة الإيمان في صورته الرحيمة النقية، ويحرس العقل المسلم من الوقوع في فخاخ “الإيمان الإلكتروني” المزيّف.

 

عن مصطفى علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *