علي جمعة يكشف مفاتيح الرزق العشرة وأسرار السماء

يظلّ الرزق واحدًا من أكثر القضايا الإنسانية التصاقًا بروح الإنسان ووجدانه، إذ لا يمكن لأي كائن حيّ أن يستغني عنه أو يعيش بمعزل عن حاجته إليه فمنذ فجر الخليقة، والإنسان يلهث وراء رزقه، بين من يسعى بالأسباب المادية وحدها، ومن يدرك أن الأرزاق لا تنزل إلا بأمر الله، وأن مفاتيحها في السماء لا على الأرض.
وفي عالمٍ يزداد فيه القلق الاقتصادي، وتشتدّ فيه المنافسة على لقمة العيش، تبرز أهمية فهم “أسرار الرزق” كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وكما فصّلها العلماء الربانيون الذين تحدثوا عن المعاني الإيمانية وراء السعي، واليقين الذي يُنزل البركة من السماء.
وفي هذا السياق، قدّم الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رؤية روحية وفكرية عميقة حول أسرار الرزق ومفاتيحه العشرة، موضحًا أن الرزق ليس مجرد مالٍ أو طعام، بل منظومة متكاملة من النعم الظاهرة والباطنة التي يمنّ الله بها على عباده، وأن سرّها الأكبر يكمن في الإيمان الراسخ بأن الله وحده هو الرزاق ذو القوة المتين.
الأرزاق مقدّرة منذ الأزل.. وعدلٌ لا يظلم فيه أحد
يقول الدكتور علي جمعة إن الرزق من الأمور التي قُدّرت قبل خلق الإنسان، فهو جزء من قضاء الله وقدره الذي لا يتبدل ولا يتغير إلا بإذنه سبحانه. ويستشهد بقوله تعالى:
{وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 10].
فمنذ أن خلق الله الأرض وما عليها، قدّر أرزاق العباد فيها بتقديرٍ دقيقٍ لا يظلم فيه أحد كل نفسٍ مكتوبٌ رزقها، ولن تموت حتى تستوفيه كاملاً كما ورد في الحديث الشريف:
“إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب” (رواه ابن ماجه).
ويشرح جمعة أن الإيمان بهذا المبدأ يحرر الإنسان من الهلع والقلق، ويمنحه طمأنينةً لا يقدر عليها إلا من أيقن أن الله هو المدبّر، وأن السعي واجب، لكن الرزق مقدّر لا يُنال إلا بما كتبه الله.
الرازق والرزّاق.. بين العدل والشمول
يفرّق الدكتور علي جمعة بين اسم الله “الرازق” واسم “الرزّاق”، موضحًا أن الرازق هو من يرزق من يشاء ويمنع عمن يشاء، أما الرزّاق فاسمه يدل على الفيض الدائم والعطاء الشامل، إذ يشمل جميع الخلق بلا تفرقة بين مؤمن وكافر، وطائع وعاصٍ.
ويضيف أن الأرزاق نوعان:
1. رزق ظاهر للأبدان كالأطعمة والأموال والمنافع المادية.
2. ورزق باطن للقلوب كالعلوم والمعارف والسكينة والإيمان.
فمن حُرم رزق الجسد يمكن أن يعوّضه الله برزق الروح، ومن فُتح له باب العلم والمعرفة فقد نال من الرزق أسمى أنواعه، لأن الرزق الحقيقي ليس ما يُرى بالعين، بل ما يملأ القلب غنى وطمأنينة.
مفاتيح الرزق بيد الله وحده
يركّز جمعة على أن الله سبحانه هو المانح الوحيد للأرزاق، لا شريك له في عطائه، ولا يُسأل عمّا يفعل، مستدلًا بقوله تعالى:
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].
فالرزق مضمونٌ لكل مخلوق، من الإنسان إلى أصغر حشرة في الصحراء لكن البشر يختلفون في نظرتهم إلى هذه الحقيقة؛ فالبعض يرى أن رزقه يأتي بجهده وحده، بينما المؤمنون يرونه فضلًا من الله يجري على أيدي الأسباب.
ويشير جمعة إلى أن مفاتيح الرزق ليست في الأسواق ولا في الوظائف، بل في طاعة الله، وصلة الرحم، والصدق في القول والعمل، والاستغفار، والتقوى، وهي المفاتيح التي وعد الله بها عباده حين قال:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].
قصة الأعرابي واليقين.. حين آمن القلب قبل أن يسمع العقل
من القصص التي توقف عندها الدكتور علي جمعة قصة مؤثرة رواها الإمام البيهقي في “شعب الإيمان” عن الأصمعي والأعرابي الذي سمع قول الله تعالى:
{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22].
فما إن سمع الأعرابي هذه الآية حتى ذابت في قلبه حلاوة الإيمان، فقام ونحر ناقته ووزّع لحمها على الناس قائلاً: “وفي السماء رزقكم وما توعدون”، وترك الدنيا كلها خلفه مؤمنًا أن رزقه ليس في يده بل عند خالقه.
وبعد زمنٍ التقى به الأصمعي في مكة وقد أصبح نحيل الجسد مشرق الروح، يردد الآية نفسها، ثم فاضت روحه وهو يردّدها مرددًا قول الله تعالى:
{فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}.
تلك القصة، كما يعلق جمعة، تجسّد معنى اليقين الذي تُفتح به أبواب السماء، وأن الرزق لا يُنال بالشك أو الجزع، بل بالتسليم الكامل لله الذي أقسم بنفسه أن رزق عباده حقٌّ لا ريب فيه.
عشرة مفاتيح روحية لأبواب الرزق
يلخص الدكتور علي جمعة عجائب الرزق العشر التي دلّت عليها النصوص الشرعية وتجارب الصالحين، فيقول إن هذه المفاتيح هي أسرار الخير التي لا تُفتح إلا لمن عرف الله حق المعرفة:
1. التقوى: وهي الأساس الأول للرزق كما وعد الله في كتابه.
2. الاستغفار: لقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ… يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا}.
3. صلة الرحم: قال ﷺ: “من أحب أن يُبسط له في رزقه فليصل رحمه”.
4. الصدق في المعاملة: فالتاجر الصدوق مع النبيين والصديقين.
5. الصدقة: فهي لا تنقص المال بل تزكيه وتباركه.
6. الدعاء والافتقار إلى الله: كما في أدعية الأنبياء والصالحين.
7. الصلاة على النبي ﷺ: فهي من أعظم أسباب تفريج الكرب وجلب البركة.
8. الاعتماد على الله دون خلقه: لأن الرزق لا يأتي من البشر بل من الخالق.
9. الشكر على النعم: فبالشكر تدوم وتزداد.
10. الرضا بالقليل: لأن القناعة تفتح باب الغنى ولو بلا مال.
أدعية الرزق والفرج.. مفاتيح السماء لمن دعا بصدق
اختتم الدكتور علي جمعة حديثه بمجموعة من الأدعية المأثورة التي تعين المؤمن على استمطار الرزق والفرج، منها:
“يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقضِ حاجتي وفرّج كربتي وارزقني من حيث لا أحتسب.”
“اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك.”
“اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.”
ويؤكد جمعة أن هذه الأدعية ليست مجرد كلمات، بل مفاتيح روحية تفتح أبواب السماء حين تُقال بقلب خاشع ودمعٍ صادق. فالرزق ليس وعدًا مؤجلًا، بل وعدٌ حاضر لمن أخلص النية وسلّم الأمر لله.
