كتب:مصطفى علي
في لحظة فكرية تفتح آفاقًا جديدة لفهم أعمق لتاريخ الحضارة المصرية، فجّر الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، رؤية مغايرة لما اعتاده المؤرخون الغربيون والعرب على حد سواء، مؤكدًا أن المصريين القدماء لم يكونوا عبدة أصنام أو آلهة متعددة كما يُصوَّر في كثير من المراجع، بل كانوا أصحاب عقيدة راسخة في وحدانية الخالق والإيمان بالبعث والحساب.
تصريحات الورداني التي جاءت في لقاء تلفزيوني حديث أعادت الجدل حول العلاقة بين الدين والحضارة المصرية القديمة، مؤكدة أن روح الإيمان لم تكن طارئة على أرض مصر، بل هي جذورٌ ضاربة في أعماق التاريخ، تجلّت في نصوص “كتاب الموتى”، وفي فلسفة المعابد، وفي الفن الذي عبّر عن العلاقة المقدسة بين الجمال والإيمان.
الفراعنة والإيمان بالبعث: فكرة أصيلة لا وافدة
يؤكد الدكتور الورداني أن فكرة الحياة بعد الموت لم تكن مستوردة من حضارة أخرى، بل هي جزء من الوجدان المصري القديم منذ فجر التاريخ.
فالمصري، كما يوضح، آمن بأن الموت ليس نهاية الوجود، بل انتقال إلى مرحلة أخرى من الحياة، يحاسَب فيها الإنسان على ما قدمت يداه في الدنيا، فيجد جزاءه خيرًا أو شرًا.
وهذا المفهوم تجلّى بوضوح في نصوص كتاب الموتى، التي تصف بدقة رحلة الروح بعد الموت، ومشهد المحكمة الإلهية التي يُوزَن فيها القلب مقابل ريشة العدالة الإلهية مشهد يُعبّر بعمق عن إيمان المصري القديم بالجزاء والعدل الإلهي.
ويشير أمين الفتوى إلى أن هذه العقيدة لا يمكن النظر إليها بوصفها أسطورة، بل إرهاصًا مبكرًا للفكر التوحيدي الذي آمن به الأنبياء من بعد، وأنها دليل على أن الروح المصرية كانت موصولة بالله منذ الأزل، تفكّر وتتأمل وتؤمن بما وراء المادة.
الفراعنة ووحدانية الخالق: كلمات تنبض بالتوحيد
في حديثه، استشهد الدكتور الورداني بنصوص مصرية قديمة تُثبت بجلاء أن المصريين آمنوا بإله واحد أحد، منها ما جاء في بردياتهم:
أنت الأول وليس قبلك شيء، وأنت الآخر وليس بعدك شيء.
كلماتٌ تختصر معنى التوحيد الذي نزل في الكتب السماوية بعد آلاف السنين.
ويرى الورداني أن هذه العبارات ليست مصادفة، بل تعبير عن وعيٍ دينيٍ عميق بوحدانية الخالق. وقد أشار إلى أن عددًا من المفكرين المصريين من بينهم الدكتور مصطفى محمود دعوا إلى إعادة قراءة التاريخ المصري القديم من منظور توحيدي، لا من زاوية وثنية ضيقة فرضها الاستشراق الغربي.
فهؤلاء العلماء، كما يوضح، وجدوا في فلسفة المصريين القدماء إشاراتٍ واضحة إلى وجود الله، وإلى ارتباط الكون بنظام إلهي دقيق، وإلى أن الخلق لم يكن عبثًا بل تدبيرًا ربانيًا محكمًا
المعابد المصرية.. مدارس روحية وليست معابد أصنام
من القضايا الجوهرية التي تناولها الورداني، تأكيده أن المعابد المصرية لم تكن معابد وثنية كما يظن البعض، بل كانت مؤسسات فكرية وروحية راقية تُدرّب الإنسان على التأمل في عظمة الخالق وفهم النظام الكوني.
يقول: المصري القديم لم يدخل المعبد ليعبد حجرًا، بل ليتأمل في الجمال الإلهي الذي يُرى في كل شيء حوله.
ويضرب مثالًا بمعابد الأقصر والكرنك، التي تجسّد دقة هندسية وروحية نادرة، إذ بُنيت وفق تصميم يضبط حركة الضوء والظل بطريقة تجعل الزائر يشعر أنه في رحلة روحية نحو الكمال.
ويشير الورداني إلى أن النقوش والرسوم والتفاصيل الدقيقة داخل جدران المعابد لم تكن رموزًا لعبادة أصنام، بل لغة روحية تعبّر عن فكرٍ تأملي عميق، يربط بين الكون والخالق، وبين الجمال والعبادة.
فالمصري القديم، كما يقول، كان يعيش لحظة من الخشوع كلما رأى إتقانًا أو نظامًا في الكون، وهي الحالة نفسها التي تحدّث عنها النبي ﷺ حين قال: «إن الله جميل يحب الجمال»، مؤكدًا أن الإتقان الفني عند الفراعنة كان وجهًا من وجوه العبادة.
في تحليله لفهم الحضارة المصرية، شدّد الورداني على ضرورة أن تكون قراءة التاريخ المصري “من عند الله” — أي من منظورٍ روحيٍ يربط بين الإيمان والعمران.
فالحضارة المصرية، كما يرى، لم تُبنَ على المادة وحدها، بل على فكرةٍ روحيةٍ ترى في الإتقان رسالةً إيمانية.
ولذلك فإن اختزالها في صورٍ وثنيةٍ أو أسطوريةٍ لا يُنصفها، لأن العقيدة كانت في جوهرها جزءًا من هوية المصري القديم، وليست طارئة أو دخيلة عليه.
ويضيف الورداني: “مصر كانت وما زالت محطة من محطات النور الإلهي في تاريخ الإنسانية، إذ امتزج فيها العلم بالإيمان، والجمال بالروح، والعقل بالوحي، لتصنع أعظم نموذج حضاري عرفته البشرية”.
الروح الإيمانية في الفن المصري القديم
يشير الدكتور الورداني إلى أن الفن المصري القديم لم يكن زينةً للقصور أو المعابد، بل تعبيرًا عن نزعة دينية عميقة.
فالنقوش التي تزيّن جدران المقابر لم تُنحت لمجرد تخليد اسم الملك، بل لتذكيره بالمحاسبة والبعث، ولتكون مرآةً للضمير الإنساني أمام الخالق.
كما أن تصميم المقابر والمعابد بدقة متناهية، واختيار مواقعها بحيث تتناغم مع حركة الشمس، دليلٌ على وعي المصري القديم بالنظام الكوني الإلهي، وإدراكه أن الكون يسير وفق ميزان رباني دقيق.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم