الرئيسيةتقارير-و-تحقيقات

ابتسامة الملك توت وعودة رمسيس.. أسرار تبعث في المتحف المصري الكبير

تقرير: سمر صفي الدين

قبل ساعات من الافتتاح المنتظر، تعيش القاهرة أجواء احتفالية مهيبة استعدادًا للكشف عن المتحف المصري الكبير، الذي يقف بفخر عند سفح الأهرامات ليكون أعظم صرح أثري في العالم مكرس لحضارة واحدة.

ويجسد هذا المتحف، الذي طال انتظاره، رؤية فريدة تمزج بين عراقة التاريخ وإبداع الحاضر، في مشروع ثقافي وسياحي ضخم يتوقع أن يعيد رسم خريطة السياحة العالمية في مصر.

جولة ما قبل الافتتاح

في هذا السياق، ينظر إلى المتحف المصري الكبير ليس فقط كخزانة للآثار، بل كتحفة معمارية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والحضارة.

فالمبنى صمم ليتماهى مع طبيعة المكان المحيطة بالأهرامات، حيث تتدرج كتلته المعمارية مع صعود الهضبة دون أن تحجب رؤية الهرم الأكبر من أي زاوية.

وتبدو واجهته المثلثة المصنوعة من حجر الألباستر المحلي كلوحة ضوئية تتغير ألوانها تبعًا لحركة الشمس خلال النهار، في مشهد بصري يخطف الأنفاس ويعكس روح الصحراء المصرية.

Image

تحفة هندسية بروح الفراعنة

يعتمد تصميم المتحف على فلسفة مستوحاة من عقيدة المصريين القدماء، الذين رأوا في الضوء والارتفاع رموزًا للصعود نحو الخلود.

ومن هذا المنطلق، جاء شكل المبنى كرحلة متدرجة من وادي النيل إلى قمة الهضبة، تجسد الانتقال من الحياة إلى الأبدية.

يقول مكتب “هينيغان بينغ” الهندسي، المصمم للمتحف، إنه أراد أن “يتحرك الزائر تدريجيًا من العالم المعاصر إلى عالم قدماء المصريين”، في تجربة حسية وبصرية فريدة.

Image

تحية إلى رمسيس العظيم

وعند مدخل المتحف، يستقبل الزوار تمثال الملك رمسيس الثاني، الذي يبلغ ارتفاعه 11 مترًا ويزن 83 طنًا، فيتحول البهو الرئيسي إلى مسرح للدهشة والرهبة.

هذا التمثال الذي انتزع من ميدان رمسيس وسط القاهرة عام 2006، أعيد ترميمه بعناية، ليقف اليوم شامخًا كرمز للاستمرارية بين ماضي العاصمة وحاضرها.

رحلة عبر الزمن

بعد التحية لرمسيس، يبدأ الزائرون رحلتهم عبر المدرج الصاعد الذي يضم تماثيل ضخمة من عصور متعددة، تصحبهم تدريجيًا في رحلة زمنية من الحاضر إلى الماضي.

وفي نهاية هذا الصعود، تكشف نافذة زجاجية عريضة مشهدًا بانوراميًا مذهلًا لأهرامات الجيزة، قبل أن تبدأ الجولة داخل قاعات العرض الدائم، التي تتوزع وفق محاور موضوعية: الحياة اليومية، السلطة الملكية، والمعتقدات الدينية.

ويتميز المتحف المصري الكبير عن المتاحف التقليدية في منهجية العرض. إذ لا يعتمد على التسلسل الزمني بل على المحاور الحياتية والفكرية للحضارة المصرية. مما يمنح الزائر فرصة فريدة لفهم كيف عاش المصري القديم وكيف رأى الكون والحياة والموت.

Image

كنوز الملك الذهبي

تعد قاعات الملك توت عنخ آمون من أبرز محطات الجولة. حيث تعرض للمرة الأولى المجموعة الكاملة لمقتنياته منذ اكتشاف مقبرته عام 1922.

تضم القاعات نحو 5398 قطعة، من بينها 1800 قطعة تعرض لأول مرة، موزعة داخل مساحتين تبلغان 7500 متر مربع. مجهزتين بأحدث تقنيات العرض والتحكم البيئي في الحرارة والرطوبة والإضاءة.

يعتبر قناع توت عنخ آمون التحفة الأبرز في المتحف. فهو قطعة فنية استثنائية تبرهن على عبقرية المصري القديم في تشكيل الذهب وتطعيم الأحجار شبه الكريمة.

يبلغ ارتفاع القناع 54 سم ووزنه 11 كيلوجرامًا، وتزدان ملامحه بتطعيمات من الزجاج الأزرق والأوبسيديان والكوارتز. ما يمنحه لمعانًا خالدًا يتحدى الزمن.

أسرار تكشف لأول مرة

ينتظر العالم عرض جثماني ابنتي الملك توت عنخ آمون المحنطتين لأول مرة منذ اكتشافهما داخل تابوتين ذهبيين صغيرين في وادي الملوك عام 1922.

وقد أظهرت دراسات الأشعة المقطعية الحديثة أنهما جنينتان ولدتا ميتتين في الشهرين الخامس والسابع من الحمل.

ولم يكن إعداد مجموعة توت عنخ آمون الكاملة بالأمر السهل، إذ استغرق جمعها سنوات طويلة. شملت نقل قطع أثرية من متاحف الأقصر والإسكندرية والقاهرة.

كما تم ترميم مومياوات وأحذية وملابس كانت في حالة بالغة الهشاشة. بجهود خبراء مصريين استخدموا أحدث التقنيات العالمية.

Image

مراكب الشمس.. عبقرية الخلود

في موقع منفصل عن مبنى المتحف الرئيسي، تعرض مراكب الشمس التي اكتشفت عام 1954 بالقرب من الهرم الأكبر.

ويتيح المتحف للزوار مشاهدة عملية ترميم المركب الثانية مباشرة أمام أعينهم. وهي عملية دقيقة يتوقع أن تستغرق من خمس إلى سبع سنوات.

ويبلغ طول المركب نحو 44 مترًا، ما يجعلها واحدة من أضخم القطع الخشبية القديمة التي عثر عليها في العالم.

زعماء وأمراء في حضرة الملوك

وفي سياق متصل، يستعد المتحف المصري الكبير لافتتاح أسطوري بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من ملوك وأمراء ورؤساء الدول من مختلف القارات.

وسيشارك في الحفل أكثر من 79 وفدًا رسميًا، من بينهم 39 وفدًا برئاسة ملوك أو رؤساء حكومات. إضافة إلى تمثيل رفيع من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية.

ويتوقع أن يفتح المتحف أبوابه للجمهور في اليوم التالي للافتتاح الرسمي. وسط احتفاء واسع من المصريين الذين يرونه إنجازًا وطنيًا يخلّد إبداع الإنسان المصري القديم والحديث على السواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى