المتحف المصري الكبير.. مصنع الحضارة الحديثة يصنع جيلًا جديدًا من حُماة التراث

كتب:مصطفى علي
في مشهد يعكس روح العطاء والإبداع المصري، يقف المتحف المصري الكبير على بوابة الأهرامات شامخًا كأعظم مشروع ثقافي أثري في القرن الحادي والعشرين هذا الصرح العملاق، الذي طال انتظاره، لم يكن مجرد مبنى ضخم يضم كنوز الفراعنة، بل هو ثمرة جهد أجيال من العلماء والخبراء الذين صاغوا حلمًا وطنيًا تحوّل إلى واقع عالمي.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عيسى زيدان، مدير عام الترميم ونقل الآثار بالمتحف المصري الكبير، أن افتتاح المتحف يمثل «ملحمة وطنية» تجسدت فيها كل معاني الإخلاص والتعاون بين أبناء مصر، مشددًا على أن المتحف ليس مجرد مخزن للآثار، بل منظومة علمية متكاملة ومركز إشعاع حضاري يضع مصر في صدارة المشهد الثقافي العالمي.
منظومة عمل متكاملة بروح الفريق الواحد
كشف الدكتور زيدان أن ما يميز المتحف المصري الكبير ليس حجمه أو موقعه فحسب، بل «روح الفريق» التي جمعت أطيافًا متعددة من الخبراء والمختصين في مجالات الآثار والهندسة والفنون والتقنيات الحديثة.
وأوضح أن المتحف يضم 126 مرممًا وأثريًا من أكفأ الكوادر المصرية، ممن خاضوا تجربة استثنائية في نقل وترميم وعرض آلاف القطع الأثرية، من بينها مقتنيات الملك توت عنخ آمون، وفق أعلى المعايير الدولية المتبعة في المتاحف العالمية الكبرى.
ويضيف: «إن العمل هنا لا يعرف الفردية، فكل قطعة أثرية تمر بسلسلة من المراحل الدقيقة، يشارك فيها الأثري والمصور والمهندس والفنان، حتى تخرج في أبهى صورة تليق بعظمة الحضارة المصرية».
مركز ترميم هو الأحدث في الشرق الأوسط
ويُعد مركز الترميم داخل المتحف، بحسب زيدان، أكبر وأحدث مركز ترميم في الشرق الأوسط، مزودًا بأحدث الأجهزة العلمية والأنظمة التقنية التي تواكب تطورات علم الترميم في العالم.
هذا المركز لا يقتصر دوره على صيانة الآثار المصرية فحسب، بل أصبح «مدرسة عالمية» لتأهيل المرممين من مختلف الدول، حيث تُنظم فيه برامج تدريبية ودورات تخصصية للكوادر الشابة من داخل مصر وخارجها، ما يجعله منارة علمية تسهم في الحفاظ على التراث الإنساني المشترك.
ويشير زيدان إلى أن هذا المركز يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم إدارة التراث، إذ انتقلت مصر من مرحلة الترميم التقليدي إلى مرحلة البحث العلمي التطبيقي، ما يرسّخ مكانتها كقائدة للمنطقة في علوم الآثار والترميم.
جيل جديد من المرممين.. حلم يتحقق
يرى زيدان أن من أبرز إنجازات المتحف المصري الكبير أنه «صنع جيلًا جديدًا من المرممين المصريين» الذين تلقوا تدريبًا عمليًا داخل معامل المتحف وعلى يد كبار الخبراء المصريين والأجانب.
ويضيف: «هؤلاء الشباب هم أمل المستقبل، وهم الضمانة الحقيقية لاستدامة هذا الصرح، فقد تعلموا هنا فلسفة الترميم القائم على الفهم العميق لتاريخ القطعة الأثرية قبل التعامل معها».
ويؤكد أن نقل هذا العلم إلى الأجيال القادمة أحد أهداف المركز الاستراتيجية، بحيث تظل مصر قادرة على حماية كنوزها بقدراتها الذاتية دون الحاجة إلى خبرات أجنبية مكلفة.
تعاون دولي وشكر للمساهمين في الصرح العظيم
وفي سياق حديثه، وجّه الدكتور عيسى زيدان الشكر والتقدير لكل من أسهم في إنجاز هذا المشروع العملاق، مثمنًا دعم الدكتور شريف فتحي وزير السياحة والآثار، والدكتور محمد إسماعيل الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور زاهي حواس عالم الآثار العالمي، والدكتور خالد العناني المدير العام لمنظمة اليونسكو، على ما قدموه من دعم علمي ومؤسسي لإنجاح هذا الحلم الوطني.
وقال زيدان إن هؤلاء العلماء والقيادات تعاونوا بروح وطنية صادقة لإنجاز هذا المشروع الذي يُعد «هدية مصر للعالم»، مؤكداً أن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من الحضور الثقافي المصري في الساحة الدولية.
المتحف المصري الكبير.. هدية مصر للعالم
يشدد مدير عام الترميم بالمتحف على أن هذا الصرح ليس مشروعًا أثريًا فحسب، بل هو رمز لنهضة مصر الحديثة، ودليل على أن المصريين قادرون على الجمع بين عبقرية الماضي وإبداع الحاضر.
ويضيف: «المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى يعرض آثار الفراعنة، بل هو رسالة متجددة من مصر إلى العالم تقول فيها إن الحضارة لا تموت، وإن الشعوب التي تحفظ تاريخها قادرة على صنع مستقبلها».

