تقارير-و-تحقيقات

الإفتاء: الصلاة خوفًا من الله مقبولة والمحبّة أكمل مراتب العبادة

تقرير :مصطفى علي

في مشهد يعكس اهتمام الناس بالتعمّق في فهم نياتهم أثناء العبادة، ورد إلى برنامج “فتاوى الناس” المذاع على قناة الناس سؤال أثار اهتمام الكثيرين حول حقيقة نية المصلي ودافع الخوف من الله.
السائلة وفاء من دمياط طرحت سؤالًا مباشرًا على الدكتور علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، قالت فيه:

“بيجيلي وسواس لما بصلي إني بعمل ده لمجرد خوف من ربنا، فهل لو بصلي خوفًا من الله مش باخد ثواب؟”

سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يفتح بابًا عميقًا من التأمل في مراتب الإيمان ومقامات العبادة، وهل الخوف من الله كافٍ لقبول الصلاة أم لا بد من دافع المحبة أيضًا

الخوف من الله عبادة لا تُحرم الثواب

جاء رد الدكتور علي فخر حاسمًا وواضحًا، مؤكدًا أن العبادة بدافع الخوف من الله لا تُسقط الأجر، بل يُثاب صاحبها عليها ثوابًا عظيمًا، لأن هذا الخوف دليل على يقظة القلب وصدق الإيمان.
وأوضح أن الخوف من الله صفة المؤمنين الصادقين الذين يدركون عظمة خالقهم وهيبته، فيخشونه ويبتعدون عن معصيته، مضيفًا أن الله تعالى يثيب كل عبدٍ يتوجه إليه بإخلاص، سواء كان دافعه الخوف أو الرجاء أو المحبة.

وقال أمين الفتوى:

“الخوف من الله ليس أمرًا مذمومًا، بل هو مقام رفيع في الإيمان، لأن من يخاف الله هو من يعرفه حقًّا، ومن خاف مقام ربه نهى النفس عن الهوى، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾”.

ورغم تأكيده على قبول العبادة القائمة على الخوف، دعا الدكتور علي فخر المسلمين إلى الترقي في مراتب العبادة، قائلاً إن الغاية الكبرى هي أن يعبد الإنسان ربه حبًّا فيه، لا فقط خوفًا من عقابه.
وأوضح أن الخوف بداية الطريق، والحب نهايته، وأن المؤمن كلما ازداد معرفة بربه ازداد حبًّا له، لأن من أحبّ الله أطاعه طاعة المشتاق لا طاعة الخائف.

واستشهد في حديثه بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

“أرحنا بها يا بلال”،
مبينًا أن هذه الكلمة تختصر نظرة النبي إلى الصلاة بوصفها راحة للقلب والروح، لا مجرد واجب ثقيل يؤدّى اتقاءً للعقاب.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرى الصلاة عبئًا أو التزامًا شكليًا، بل نافذةً للسكينة وملاذًا من هموم الدنيا، فهي في جوهرها حوار محبة بين العبد وربه.

الصلاة راحة القلب لا راحة الجسد

في سياق حديثه عن معنى الراحة الحقيقية، قال الدكتور فخر إن الناس اعتادوا أن يبحثوا عن الراحة في النوم أو الطعام أو المتعة، بينما الراحة الحقيقية تكمن في الصلاة، لأنها غذاء للروح ومصدر للطمأنينة التي لا يمنحها شيء آخر.

واستدل بقول الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه حين كان يؤذن للفجر ويقول:

“الصلاة خيرٌ من النوم”،
موضحًا أن هذه العبارة تعبّر عن فهمٍ عميقٍ لطبيعة الراحة الحقيقية، فالنوم راحةٌ للجسد، أما الصلاة فراحةٌ للقلب والضمير والنفس.
وأضاف أن كل من ذاق لذة الوقوف بين يدي الله لا يبحث بعدها عن راحةٍ أخرى، لأن الصلاة تمنحه سكينةً لا تُقاس بمتاع الدنيا.

تطرّق أمين الفتوى إلى العلاقة المتوازنة بين الخوف والرجاء في قلب المؤمن، مبينًا أن العبادة الصادقة لا تنفصل عن هذين المقامين، لأنهما جناحا الإيمان اللذان يطير بهما العبد إلى مرضاة الله.
وأوضح أن المؤمن يخاف تقصيره في حق الله، لكنه في الوقت ذاته يرجو رحمته وفضله، فلا ييأس ولا يأمن، بل يظل قلبه معلقًا بين الخوف من الذنب والأمل في الغفران.

وقال الدكتور فخر:

“المؤمن الحقيقي يعيش بين حالين: خوفٍ يردعه عن المعصية، ورجاءٍ يدفعه إلى الطاعة. فإذا غلب الخوف فقد الأمن من رحمة الله، وإذا غلب الرجاء تهاون في التقوى، والاعتدال هو السبيل القويم”.

وأشار إلى أن هذا التوازن هو سر سلامة القلب واستقامة العبادة، لأن الإنسان حين يعبد الله بهذا الوعي يجمع بين خشوع الخائف وشوق المحب.

الخوف باب المعرفة.. والحب ذروة القرب

تابع أمين الفتوى حديثه موضحًا أن الخوف من الله ليس نهاية الطريق الروحي، بل هو البوابة التي يدخل منها العبد إلى معرفة ربه، لأن من خاف الله عرفه، ومن عرفه أحبه، ومن أحبه لم يعبده إلا حبًّا وشوقًا.
وقال:

“نسأل الله أن يرفعنا من عبادة الخوف إلى عبادة الحب، وأن يجعلنا من الذين يعبدونه شوقًا إليه، لا فقط رهبةً من عقابه، فكلما ازداد الحب زادت الطاعة، وارتقينا في مراتب القرب من الله”.

وبيّن أن أسمى مراتب الإيمان هي أن يعبد الإنسان ربَّه لأنه يُحب قربه، ويجد في طاعته لذةً لا يجدها في غيرها، وهي الحالة التي وصفها العارفون بقولهم:

“عبدناه حبًّا له، لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره”.

الإخلاص في النية أساس القبول

وختم الدكتور علي فخر فتواه بالتأكيد على أن قبول الصلاة والعبادة عند الله تعالى مرتبطٌ بالإخلاص لا بالدافع فقط، فسواء عبد العبد ربَّه خوفًا أو حبًّا، فإن النية المخلصة هي معيار القبول.
وأضاف أن الله لا ينظر إلى الصور ولا إلى الكلمات، بل إلى القلوب وما فيها من صدق، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:

“إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”

ودعا المسلمين إلى الابتعاد عن وساوس الشيطان التي تزرع الشك في نياتهم، مبينًا أن الله لا يردّ من جاءه خائفًا أو راجيًا أو محبًا، ما دام قلبه صادقًا في التوجه إليه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى