الأزهر يتصدى للتطرف: ندوة بكلية التربية تؤكد دوره في تفكيك الفكر المنحرف

كتب: مصطفى علي

في إطار الجهود المتواصلة لمؤسسات التعليم الأزهري في مكافحة التطرف وترسيخ الفكر الوسطي، نظمت كلية التربية بنين بالقاهرة ندوة علمية موسعة تحت عنوان «دور الأزهر في مكافحة وتفكيك الفكر المتطرف»، برئاسة الأستاذ الدكتور جمال فرغل الهواري، عميد الكلية، وبمشاركة نخبة من العلماء وأساتذة الجامعة والباحثين المتخصصين في قضايا الفكر الديني والتربوي.

جاءت الندوة ضمن خطة الكلية لنشر الوعي الديني والفكري بين طلابها، وترسيخ ثقافة الحوار ومواجهة التحديات الفكرية التي تستهدف عقول الشباب، وذلك في ظل ما يشهده العالم من تصاعد موجات الفكر المتطرف وتنامي ظواهر الغلو والتشدد باسم الدين.

وأكد الدكتور الهواري في كلمته الافتتاحية أن الأزهر الشريف كان ولا يزال صمام الأمان الفكري للأمة الإسلامية، إذ حمل عبر تاريخه الطويل رسالة الوسطية والتنوير، وقاد جهود الإصلاح الفكري والروحي في مواجهة كل فكر منحرف أو دخيل على صحيح الدين.

عميد الكلية: الأزهر منارة الوسطية وحارس العقيدة من التشويه والانحراف

استهل الدكتور جمال فرغل الهواري كلمته بالتأكيد على أن الأزهر الشريف هو المؤسسة الدينية الأعرق في العالم الإسلامي، إذ يمتد عطاؤه لأكثر من ألف عام، استطاع خلالها أن يحافظ على الهوية الدينية للأمة وسط موجات التغريب والتيارات الفكرية المتصارعة.
وأضاف أن قضية التطرف الفكري ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم أبعادًا جديدة بفعل التكنولوجيا الحديثة التي سمحت بانتشار الأفكار المنحرفة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الأزهر تصدى لهذه الظواهر مبكرًا من خلال خطاب علمي رصين، يجمع بين المنهج الشرعي المتزن والعقل التحليلي الواعي.

وأوضح أن الأزهر لم يكتفِ بإصدار البيانات أو الردود، بل أسس مؤسسات علمية متخصصة مثل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف ومركز الأزهر للحوار العالمي، التي تعمل على رصد الفكر المتشدد وتفنيده بالعلم والدليل الشرعي، إلى جانب تدريب الأئمة والدعاة على مهارات الحوار ومخاطبة الآخر بلغة العقل والحكمة.

الوسطية.. سلاح الأزهر في مواجهة الغلو والانغلاق

تناول المحاضرون خلال الندوة المفهوم الأصيل للوسطية في الإسلام، مؤكدين أنها ليست مجرد شعار، بل منهج حياة يقوم على الاعتدال والتوازن، ويرفض الإفراط والتفريط في فهم النصوص الشرعية أو تطبيقها.
وأشاروا إلى أن الوسطية التي يتبناها الأزهر تقوم على أسس علمية متينة، أبرزها فهم مقاصد الشريعة، وربط النصوص بواقع الناس، واستحضار فقه المآلات، وهو ما يجعل الفكر الأزهري قادرًا على التجديد دون أن ينفصل عن أصول الدين.

وأوضح أحد الباحثين أن تفكيك الفكر المتطرف لا يكون بالمواجهة الأمنية وحدها، بل عبر مواجهة فكرية تربوية مستمرة، تبدأ من التعليم المدرسي والجامعي، وتستمر في الإعلام والمنابر والمساجد، لتبني وعيًا دينيًا راشدًا يحصّن الشباب من الانجراف وراء الأفكار المتشددة التي تتستر بعباءة الدين.

سلطت الندوة الضوء على الدور التربوي للأزهر الشريف في تحصين الأجيال ضد الفكر المتطرف، حيث أكد أساتذة الكلية أن الأزهر لا يقتصر على تعليم العلوم الشرعية، بل يسعى لتربية العقل والوجدان معًا، من خلال مناهج تجمع بين العلم والإيمان، وتغرس في الطلاب قيم التسامح والانفتاح وحب الوطن.

وأشار المشاركون إلى أن المؤسسات التربوية في الأزهر وعلى رأسها كليات التربية تتحمل مسؤولية كبرى في إعداد المعلمين والدعاة القادرين على توجيه الفكر الطلابي، ومواجهة دعاة التطرف الذين يتسللون إلى العقول عبر الإعلام والمنصات الرقمية.
وأكدوا أن المدرس الأزهري هو الخط الدفاعي الأول في مواجهة الفكر المنحرف، لأنه يتعامل مباشرة مع النشء في مراحل تكوينهم الأولى، مشددين على ضرورة إعداد برامج تدريبية متواصلة لتأهيل المعلمين على كيفية اكتشاف مؤشرات التطرف الفكري في المدارس والجامعات.

التكنولوجيا بين التوظيف البنّاء والاستغلال المتطرف

ناقشت الندوة أيضًا تأثير التكنولوجيا الحديثة في نشر الفكر المتطرف، وكيف استغلته بعض الجماعات المنحرفة لتجنيد الشباب ونشر دعايتها المضللة عبر الفضاء الإلكتروني.
وأكد الخبراء المشاركون أن الفكر المتطرف يعتمد على العزلة الفكرية والمعلوماتية، فهو يغلق الباب أمام النقد والمراجعة، ويُغذّي عقل الشباب بمفاهيم مغلوطة عن الجهاد والحاكمية والتكفير، مما يخلق أجيالًا منغلقة على نفسها، ترفض الحوار وتؤمن بالعنف وسيلة للتغيير.

ودعا المشاركون إلى ضرورة استثمار التكنولوجيا نفسها في نشر الفكر الوسطي، من خلال إنتاج محتوى رقمي أزهري موجّه للشباب بلغات متعددة، يعرض تعاليم الإسلام الصحيحة بطريقة عصرية وجذابة، ويقدم القدوة الإيجابية في زمن تتسارع فيه المؤثرات الرقمية.

توصيات الندوة: توحيد الجهود وتفعيل الخطاب الدعوي الجامعي

في ختام أعمال الندوة، خرجت التوصيات بعدد من النقاط العملية، أبرزها:

1. تعزيز التعاون بين الأزهر الشريف ووزارات التعليم والإعلام والثقافة لمواجهة الفكر المتطرف بخطاب موحد يعالج القضايا الفكرية بلغة العصر.

2. إدماج مقررات فكرية وتربوية في مناهج التعليم الجامعي تركز على مفهوم الوسطية والتفكير النقدي وفهم النصوص الشرعية بعيدًا عن الغلو.

3. تفعيل دور الجامعات الأزهرية في تنظيم الندوات الحوارية والدورات التدريبية التي تربط بين الفكر الديني الصحيح والواقع المعاصر.

4. تشجيع البحث العلمي في مجال دراسات التطرف الفكري، مع دعم المبادرات الشبابية التي تروّج لقيم السلام والتعايش.

اترك رد