تقرير – آيــة زكـي
تتصاعد علامات الاستفهام حول آليات اختيار القيادات المحلية، بعد تكرار وقائع تورط مسؤولين في قضايا فساد أو صدور أحكام ضدهم عقب توليهم المناصب، ما يعكس خللًا واضحًا في منظومة الفحص والتحري قبل اعتماد التعيينات.
ففي أكتوبر الماضي، ألقي القبض على حاتم زين العابدين بعد ساعات من تعيينه رئيسًا لحي شرق الإسكندرية، رغم صدور حكم غيابي ضده بالسجن المؤبد في قضية رشوة، بينما شهدت محافظة القاهرة مؤخرًا إحالة مدير إدارة أماكن انتظار السيارات إلى النيابة العامة بعد رصد مخالفات مالية تجاوزت ثلاثة ملايين جنيه.
هذه الوقائع المتلاحقة تثير تساؤلات حول مدى جدية التحريات الإدارية والأمنية، وكيف تمر أسماء متهمين أو مخالفين عبر القنوات الرسمية دون رصدها، ومن يتحمل مسؤولية مراجعة الملفات قبل صدور قرارات التعيين؟
آلية الاختيار.. معايير على الورق
يقول الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضاري والإدارة المحلية، إن اختيار رؤساء الأحياء والمدن يتم عبر وزارة التنمية المحلية من خلال نشرات وإعلانات رسمية للوظائف الشاغرة، يتقدم إليها من تنطبق عليهم الشروط، ليتم الاختيار وفقًا لمعايير الكفاءة والخبرة.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ«اليوم» أن المرشحين يخضعون لاختبارات ودورات إعداد قادة، بينما يظل دور المحافظين محدودًا في عملية التعيين، إذ يقتصر على التوصية أو طلب النقل، فيما تتولى الوزارة البت في القرار النهائي.
وأضاف أن المستندات المطلوبة مثل المؤهل الدراسي و«الفيش والتشبيه» وشهادات التدريب تعد إجراءات شكلية لا تكشف عن السلوك أو النزاهة، مما يجعل مسؤولية الأجهزة الرقابية أكبر في التحري قبل اعتماد التعيين.
وأشار إلى أن الاستعلام الأمني الدقيق يجرى فقط للمناصب العليا كالمحافظين ونوابهم، بينما يكتفى في المستويات الأدنى باستعلام تقليدي طالما أن السجل الجنائي خالي من القضايا، مؤكدًا أن المشكلة ليست في الأوراق، بل في ضعف المتابعة والتدقيق الميداني بعد التعيين.
التحريات بين الرقابة الإدارية والوزارة
من جانبه، أوضح صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن الوزارة تُجري مسابقات دورية لاختيار رؤساء الأحياء طبقًا لاشتراطات محددة، منها المؤهل المناسب والخبرة الإدارية وتقديم «فيش وتشبيه» وسجل خالي من القضايا.
وأضاف الجندي أن بعد فحص الملفات، تُحال البيانات إلى الرقابة الإدارية التي تتولى التحريات ثم ترسل نتائجها للوزارة لاعتماد الترشيح أو استبعاده، موضحًا: «إذا أظهرت التحريات وجود مشكلات مالية أو قضايا، يستبعد المرشح فورًا، لكن أحيانًا تمر الأسماء لأن القضايا مغلقة أو قديمة فلا تظهر في الفحص».
وشدد مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق على ضرورة إيقاف أي مرشح حال ثبوت وجود تحقيق أو قضية ضده إلى حين انتهاء الفحص، مؤكدًا أن استمرار أي متهم في موقع مسؤولية يثير الشكوك ويفقد الثقة في نزاهة المؤسسات.
وقائع متكررة.. وثغرات رقابية
لم تكن واقعة الإسكندرية استثناء، إذ شهدت محافظة سوهاج في أبريل الماضي مشادة علنية بين نائب المحافظ وسكرتير عام المحافظة أمام المواطنين عقب صلاة الجمعة، وانتهت بتبادل الشتائم، ورغم ذلك تم نقل السكرتير العام لاحقًا إلى موقع آخر بدلًا من مساءلته، في مشهد يعكس ضعف منظومة التقييم والمحاسبة.
أما في محافظة القاهرة، فقد قررت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، إحالة مدير إدارة أماكن انتظار السيارات إلى النيابة العامة بعد رصد مخالفات مالية وإدارية جسيمة كشفتها تقارير التفتيش بالوزارة.
ووفق مصدر مسؤول بالوزارة، أثبتت التقارير تورط المسؤول في إصدار إفادات غير قانونية لصالح شركات خاصة تسببت في شطب مديونيات تتجاوز 3 ملايين جنيه، إضافة إلى حصوله على مبالغ مالية دون وجه حق، والتدخل في اختصاصات لا يملكها قانونًا.
وأضاف المصدر في تصريحات لـ “اليوم“، أن الوزيرة شددت على مراجعة جميع العقود الخاصة بمشروعات الانتظار في محافظة القاهرة، والتأكد من الالتزام الكامل بالإجراءات القانونية لضمان حماية المال العام ومنع تكرار أي مخالفات مستقبلية.
الحاجة إلى منظومة اختيار ومساءلة جديدة
تؤكد هذه الوقائع أن ملفات القيادات المحلية تحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة الاختيار، بحيث لا تكون الكفاءة والولاء مجرد عناوين نظرية، بل معايير حقيقية ترتبط بالسلوك والنزاهة والمتابعة الدورية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم