تقارير-و-تحقيقات

الإفتاء: الامتناع عن التصويت في الانتخابات «إثم شرعي»

تقرير:مصطفى علي

أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى شرعية حاسمة حول حكم الامتناع عن التصويت في الانتخابات، ردًا على تساؤلات متكررة من المواطنين حول مشروعية العزوف عن المشاركة الانتخابية، مؤكدة أن الامتناع عن الإدلاء بالصوت الانتخابي يُعد إثمًا شرعيًا لما يمثله من تخلٍّ عن أداء الأمانة والشهادة التي أمر الله تعالى بها عباده.

الفتوى، التي نُشرت على الموقع الرسمي للدار، أوضحت أن الإسلام حثّ في كل زمان ومكان على الصدق والأمانة ونبذ الكذب والخيانة، وأن أداء الأمانة يشمل كل ما يتعلق بمصلحة الأمة، سواء في الأموال أو الأقوال أو المواقف العامة. واستشهدت بقول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].

وأكدت أن الانتخابات ليست مجرد إجراء سياسي، بل مسؤولية شرعية تدخل في باب الأمانة، إذ تمثل الشورى التي دعا إليها الإسلام وسيلة لاختيار من يتولى شؤون الأمة بحق وعدل.

الشورى في الإسلام.. الأساس الشرعي للمشاركة السياسية

تطرقت دار الإفتاء في فتواها إلى مفهوم الشورى في الإسلام باعتبارها الركيزة الأساسية في نظام الحكم الإسلامي، مشيرة إلى أن الديمقراطية الحديثة ليست إلا تطبيقًا عمليًا لمبدأ الشورى الذي أمر به الشرع، وجعل المشاركة فيه واجبًا جماعيًا لتحقيق العدالة والمصلحة العامة.

وأوضحت الفتوى أن من توافرت فيه الصلاحية القانونية والعقلية للمشاركة في الانتخابات يجب عليه أن يدلي بصوته بأمانة وصدق ونزاهة، لأن ذلك يعكس وعي المواطن بمسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.

وأضافت أن الامتناع عن التصويت أو الامتناع عن أداء هذه الشهادة يعد تفريطًا في الأمانة وخيانةً للمسؤولية، لأن الصوت الانتخابي شهادة يترتب عليها مصالح عامة تمس الأمة كلها، ومن ثم فإن تركها يوقع صاحبه في الإثم الشرعي.

وفي سياق الفتوى، وصفت دار الإفتاء الامتناع عن التصويت بأنه جريمة سلبية في نظر الإسلام، مشبهةً أثرها بشهادة الزور من حيث النتائج المترتبة عليها من فسادٍ وضياعٍ للحقوق.

وقالت الدار إن المسلم الذي يراقب الله في أفعاله لا يجوز له أن يقف موقف اللامبالاة، بل عليه أن يؤدي الأمانة التي كلّفه الله بها ويُدلي بشهادته لمن يستحقها من المرشحين الأكفاء الذين تتوافر فيهم شروط الصلاح والخبرة والأمانة.

وأكدت الفتوى أن ترك الصوت الانتخابي دون استعماله في موضعه الصحيح يمثل إخلالًا بالواجب الديني والوطني، لأن السلبية في مثل هذه القضايا العامة تؤدي إلى تولية غير الأكفاء، وهو ما يؤدي إلى انتشار الظلم والفساد في مؤسسات الدولة.

النصوص الشرعية تحذر من السلبية والتقصير

استدلت دار الإفتاء بآيات قرآنية تؤكد أن السلبية في المواقف العامة نوع من الظلم للنفس والمجتمع، واستشهدت بقوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97].

وأكدت أن هذه الآية تُظهر مدى خطورة السكوت عن أداء الواجب وترك المشاركة في الإصلاح، لأن هذا السلوك يؤدي إلى تمكين غير المستحقين من السلطة أو مواقع المسؤولية.

كما أشارت إلى حديث النبي ﷺ:

«إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (رواه البخاري)،
لتؤكد أن ترك الساحة العامة لمن لا يستحقها هو من أسباب فساد الأمم وزوالها.

التحذير من التزوير والتلاعب بالإرادة الشعبية

ولم تكتفِ الفتوى بالحديث عن الامتناع عن التصويت، بل تناولت أيضًا الجرائم المرتبطة بالانتخابات، محذرةً من خطورة التزوير والانتحال والكذب في الإدلاء بالأصوات، معتبرة أن من ينتحل اسمًا غير اسمه أو يُصوّت نيابة عن غيره سواء أكان حيًا أم ميتًا أو غائبًا يرتكب غشًّا وتزويرًا محرمًا شرعًا.

وأكدت أن كل صور التدليس والتأثير غير المشروع على إرادة الناخبين تندرج ضمن جريمة خيانة الأمانة، وأن من يدفع غيره إلى مخالفة ضميره أو تغيير شهادته المخلصة يُعد شريكًا في الإثم، سواء كان مسؤولًا أو مواطنًا عاديًا.

وأوضحت الدار أن هذه الأفعال لا تقتصر على الإثم الفردي، بل تفسد النظام العام وتفتح الباب أمام الفساد الإداري والسياسي، وتضيع مصالح الناس، وهو ما وصفه القرآن الكريم بـ”الإفساد في الأرض”.

الفتوى تضع المواطن أمام مسؤوليته الوطنية والدينية

خلصت دار الإفتاء إلى أن من يمتنع عن التصويت دون عذر شرعي معتبر آثمٌ أمام الله، لأنه منع حقًّا واجبًا عليه لمجتمعه ووطنه، إذ يُعد الصوت الانتخابي شهادةً على صلاحية المرشح وقدرته على أداء مهامه في خدمة الصالح العام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى