الإفتاء تجيز الزكاة بطاطين في الشتاء بشرطين

تقرير: مصطفى علي
في ظل موجات البرد القارس التي تطرق أبواب الشتاء، وتزايد مبادرات الخير لتوزيع الأغطية والبطاطين على المحتاجين، تساءل كثير من المسلمين عن مشروعية احتساب تلك المبادرات ضمن الزكاة الشرعية الواجبة، لا سيما مع تنامي الرغبة في توجيه الزكاة في شكل عيني مباشر يُلبي الحاجة الواقعية للفقراء.
وفي هذا السياق، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من أحد المواطنين يقول فيه: «لديَّ مبلغ من المال وجبت فيه الزكاة، فهل يجوز أن أشتري به بطاطين وأغطية للشتاء وأوزعها على الفقراء؟».
ردّت دار الإفتاء بإجابة مفصّلة تُعيد التوازن بين الأصل الشرعي في أداء الزكاة، وبين الحاجة الإنسانية المعاصرة التي تفرض أحيانًا أشكالًا جديدة للعطاء، مؤكدة أن إخراج الزكاة في صورة بطاطين جائز بشرطين دقيقين يضمنان تحقق مقصود الزكاة الشرعي.
أكدت الفتوى أن المقصد الأعلى من الزكاة هو سد حاجة الفقراء والمحتاجين من أموال الأغنياء، وليس مجرد إخراج المال في ذاته. واستشهدت بما قاله الإمام النووي الشافعي في كتابه “المجموع”، حيث أوضح أن «مقصود الزكاة هو سدّ خَلّة الفقير من مال الأغنياء».
وبناءً على هذا المقصد، بيّنت دار الإفتاء أن الأصل في الزكاة أن تُخرَج من جنس المال الذي وجبت فيه، فإذا كانت زكاة مال نقدي فالأصل أن تُدفع نقدًا، وإذا كانت زكاة زرع أو ماشية فالأصل أن تُخرج من ذات النوع، كما ورد في توجيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل حين قال له:
«خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ».
وهذا الحديث، كما أوضحت الفتوى، هو أصل عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في اشتراط إخراج الزكاة من ذات المال المزكّى.
إخراج القيمة في الزكاة.. بين المذاهب والرخص الفقهية
تناولت دار الإفتاء تفصيل الخلاف الفقهي حول جواز إخراج الزكاة بالقيمة، موضحة أن الحنفية أجازوا إخراج الزكاة بالقيمة سواء كانت نقدية أو عينية، استنادًا إلى أن كل مال يجوز التصدق به تطوعًا يجوز أداء الزكاة منه.
كما وافقهم على هذا القول عدد من الصحابة الكرام؛ من بينهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، والحسن بن علي رضي الله عنهم، ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وطاوس، وكذلك الإمامين الثوري والبخاري.
وأشار العلامة الكاساني الحنفي في كتابه “بدائع الصنائع” إلى أن الأصل في الزكاة أن تكون من مال متقوَّم على الإطلاق، سواء من جنس المال المزكّى أو من غير جنسه، ما دام يؤدي غرض الزكاة وهو الإيتاء للفقراء.
وفي ذات السياق، أشار الإمام بدر الدين العيني في “البناية” إلى أن هذا القول هو مذهب كبار الصحابة والتابعين، مؤكدًا أن إخراج القيمة جائز عند الحنفية وعند كثير من المحدثين من الفقهاء.
مذاهب أخرى تميل إلى التيسير مراعاةً لمصلحة الفقير
ورغم أن جمهور المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن الأصل إخراج الزكاة من جنس المال المزكّى، إلا أن بعض فقهائهم فتح باب الجواز إذا اقتضت مصلحة الفقير ذلك.
فقد نقل الإمام ابن ناجي التنوخي المالكي في “شرح متن الرسالة” قول الإمام أشهب، وتأييد الإمام ابن القاسم في “العتبية” بجواز إخراج القيمة مطلقًا إن كان أنفع للمساكين.
كما ذهب الإمام ابن حبيب من المالكية، والإمام أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، إلى أن إخراج القيمة يجوز بشرط أن يكون في مصلحة الفقراء والمحتاجين.
وقال الإمام القرافي المالكي في “الذخيرة”: «أجاز ابن حبيب إخراج القيمة إذا رآه أحسن للمساكين»، وهي قاعدة تفتح باب المرونة في تطبيق فريضة الزكاة بما يخدم روحها الاجتماعية.
رأي الإفتاء المصري: الجواز المشروط بالتمليك والحاجة
في ضوء ما سبق، خلصت دار الإفتاء إلى أن إخراج الزكاة في صورة بطاطين أو أغطية للشتاء جائز شرعًا، لكن بشرطين أساسيين يجب الالتزام بهما حتى تصح الزكاة:
1. تحقق الحاجة الواقعية للفقراء والمحتاجين: أي أن يكون الفقراء بحاجة فعلية إلى الأغطية والبطاطين لحمايتهم من برد الشتاء، فلا تكون وسيلة ترف أو هدية رمزية.
2. أن تُعطى على وجه التمليك بنية الزكاة: أي أن تكون البطاطين ملكًا للفقراء يتصرفون فيها كيف شاءوا، لا أن تبقى تبرعًا مؤقتًا أو هبة معلقة.
وأشارت الفتوى إلى قول الإمام السرخسي الحنفي في “المبسوط” بأن «الإيتاء في الزكاة لا يتحقق إلا بالتمليك»، مؤكدة أن أي قربة أو عطاء خالٍ من التمليك لا يُجزئ عن الزكاة.
كما شددت على وجوب نية الزكاة عند إخراجها كما قال الإمام الرملي الشافعي في “نهاية المحتاج”: «النية شرط لصحة الزكاة، والاعتبار فيها بالقلب».
بين المقاصد الشرعية وروح العصر: فقه الواقع في خدمة الفقراء
توضح الفتوى أن الإسلام دين واقعي لا يقف عند حدود النص الجامد، بل يُراعي المقاصد والمصالح، فحيثما وُجدت المصلحة وارتبطت بحاجات الناس وضروراتهم، كان الشرع إليها أقرب.
ففي زمن الشتاء القارس، قد تكون البطاطين والأغطية أهم عند الفقير من المال النقدي نفسه، لأن المال قد لا يكفي لشراء ما يقيه البرد أو قد تُصرف في أمور أخرى لا تلبّي حاجته الأساسية.
لذلك فإن توجيه الزكاة في صورة أغطية يُعد تجسيدًا عمليًا لمقصد الشرع في تحقيق الكفاية وصون الكرامة الإنسانية.
