ذكرى وفاة نصر الدين طوبار حين يتحوّل الصوت إلى دعوة

تقرير: مصطفى علي
في مثل هذا اليوم من كل عام، تتجدد ذكرى رحيل الشيخ نصر الدين طوبار (1920–1986م)، ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد خامة صوتية مميزة، بل كان رسالة روحية كاملة حملت ملامح الطهر والخشوع واليقين.
ومع إحياء وزارة الأوقاف لذكراه هذا العام، يعود الحديث بقوة عن واحد من أهم وجوه الدعوة بالابتهال في القرن العشرين، والذي استطاع أن يخرج بالإنشاد الديني من حدود الأداء الصوتي إلى آفاق التأثير الإيماني والاجتماعي والوطني.
هذا التحقيق يرسم صورة شاملة لحياة الشيخ، من قريته الصغيرة في الدقهلية إلى خشبات أكبر المسارح العالمية، مرورًا بالإذاعة المصرية وحرب أكتوبر والمسجد الأقصى وأكاديمية الفنون، في رحلة امتدت أكثر من ثلاثة عقود.
البدايات: طفولة مطبوعة بالقرآن ونشأة راسخة في علوم الدين
لم يكن ميلاد الشيخ نصر الدين طوبار في 7 يونيو 1920 بمدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية مجرد ولادة عادية، بل كان بداية لمسار روحاني مبكر.
فقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، وهو إنجاز يشير إلى بيئة علمية ودينية احتضنت طاقاته منذ الصغر. درس اللغة العربية وعلوم القراءات والحديث، وهي المعارف التي شكّلت الأساس العلمي لصوته حين صدح لاحقًا بالابتهالات.
في قريته الصغيرة، بدأت ملامح موهبته تظهر شيئًا فشيئًا. كان صوته يجذب الناس، وكانت تلاوته ترتبط بالخشوع لا بالاستعراض. ومع اتساع شهرته في الدقهلية، نصحه المقربون بخطوة جريئة:
الذهاب إلى القاهرة حيث يختبر الصوت الحقيقي أمام لجنة الإذاعة المصرية.
لم يكن الانضمام إلى الإذاعة المصرية في خمسينيات القرن الماضي مهمة سهلة؛ فقد كانت الإذاعة وقتها هي المنصة الذهبية التي تقيس جدارة الصوت وامتداد تأثيره.
جرّب الشيخ طوبار مرات عديدة التقدم للاختبارات، وبعد محاولات طويلة ومثابرة، تمكن عام 1956 من الانضمام رسميًا إلى صفوف المبتهلين.
ومع ظهور صوته عبر الميكروفون، تحولت مسيرته من موهبة محلية إلى حضور قومي استطاع أن يقدم ما يقرب من مائتي ابتهال، كلها تحمل طبيعة خاصة وملامح فنية لا تخطئها الأذن.
ومن أبرز أعماله التي ما زالت حاضرة في الوجدان:
يا مالك الملك
يا مجيب السائلين
جل المنادى
كل القلوب إلى الحبيب تميل
من لي سواك
كانت هذه الابتهالات أكثر من أداء صوتي؛ كانت حالة وجدانية تتسلل إلى المستمعين بحنان يشبه الدعاء في جوف الليل.
حين يصبح الابتهال سلاحًا… صوت طوبار في حرب أكتوبر
عام 1973 شكّل منعطفًا مهمًا للشيخ طوبار.
في وقت كانت فيه مصر تخوض واحدة من أصعب معاركها، تقدّم الشيخ ليكون أول مبتهل يهدي ابتهالات خاصة لجنود الجيش المصري خرجت كلماته تحمل روحًا وطنية صادقة، مثل:
سبّح بحمدك الصائمون
انصر بفضلك يا مهيمن جيشنا
كانت الابتهالات تُبث عبر الإذاعة، وترافق الجنود على جبهات القتال، فكان صوته بمثابة دعم معنوي لا يقلّ أثرًا عن السلاح.
القدس… الموقف الذي خُلد في الذاكرة الإسلامية
من أهم المحطات في مسيرة طوبار مشاركته في احتفالات المسجد الأقصى عام 1977، خلال زيارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
وقف الشيخ في جوف المسجد المبارك، وكبّر للعيد، فرددت الآلاف خلفه في مشهد تاريخي.
كان صوت طوبار يعلو في سماء القدس، في لحظة تمزج بين الروحانية والسياسة، وبين الدعاء والكرامة، ما جعل هذا الحدث أحد أبرز علامات مسيرته.
عام 1980، وقف الشيخ نصر الدين طوبار على المسرح العريق قاعة ألبرت هول في لندن، خلال احتفال المؤتمر الإسلامي العالمي.
لم يكن الجمهور عربيًا فقط، بل كان خليطًا من جنسيات وديانات وثقافات متعددة، ومع ذلك، استطاع صوته أن يتجاوز الفروق اللغوية، وأن يصل مباشرة إلى أعماق القلوب.
كتبت الصحافة الألمانية حينها:
“صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب.”
كانت تلك شهادة توثّق عالمية تأثيره، وتقدّر القيمة الفنية والروحية لصوته.
المناصب والعطاء المؤسسي: قيادة الإنشاد الديني وتسجيل المصحف
في عام 1980، تم اختياره مشرفًا لفرقة الإنشاد الديني في أكاديمية الفنون، وهو منصب لم يكن يليق إلا بمن كان صوتًا ومدرسة في آن واحد.
كما جرى تعيينه قارئًا ومنشدًا بمسجد الخازندارة بشبرا، وهو المكان الذي ظل مرتبطًا بذكره لسنوات طويلة.
وفي عام 1978، شارك في تسجيل المصحف المجود للتلفزيون السعودي إلى جانب الشيخ محمود البجيرمي، ليخلّد صوته ضمن الأعمال القرآنية الرسمية في العالم الإسلامي.
رحيله… وامتداد رسالته بعد 38 عامًا
رحل الشيخ نصر الدين طوبار في 16 نوفمبر 1986 عن عمر ناهز 66 عامًا.
رحل الجسد، لكن الصوت بقي، حاضراً في الإذاعة والتلفزيون، وفي الابتهالات التي تُبث عند الفجر وفي الليالي الرمضانية، وفي ذاكرة كل من عرف للإنشاد معنى.

