
تقرير: مروة محي الدين
مع استمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة لعامين مكتملين، أباد الاحتلال فيهما الأخضر واليابس، وقتل قرابة 70 ألف مدني، بينهم 20 ألف طفل، وأصاب 170 ألف مدني، بينهم عشرات الآلاف من مبتوري الأطراف، لاسيما بين الأطفال، كما يعاني 51196 طفلًا دون سن الخامسة فيه من سوء التغذية، بدرجات متفاوتة.
وذلك بخلاف تدمير البنية التحتية والمنازل، حتى “صارت البيوت دقة، يعني رمل، أو فتات، أو ركام، فش ولا دار واقفة، واللي بعرفه إنه آخر مرة الناس راحت تشوف بيوتها، كانت كل الدور مسح، ها الحين فش ولا دار، كله صار كوم رماد”- حسب وصف السيدة “صبحية السيد سليمان”- من أهالي القرارة بخانيونس- في تصريحات خاصة لموقع اليوم.
وزاد وطأة الأمر على سكان القطاع، انتهاك الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار وقتما شاء، مع توفير الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” غطاء دوليًا يشرعن تلك الأفعال، وبشهادة السيدة “صبحية”: عقب يومين من تطبيق الاتفاق، “اغتال جيش الاحتلال رجلًا مدنيًا، حين ذهب ليتفقد بيته في منطقة القرارة”.
وكذلك استمرار تهديدات الإدارة الأمريكية، التي كان آخرها للضغط على مجلس لتأييد خطتها في غزة، باجتياح عالمي لغزة، تشارك فيه الولايات المتحدة وبعض حلفائها، للقضاء على حماس، بعدما عجز الاحتلال عن ذلك، وببساطة قال الرئيس الأمريكي: إنه أبلغ الحلفاء أن الوقت لم يحن بعد لفعل ذلك.
لتجتمع تلك العوامل الضاغطة على سكان القطاع، مثيرة في نفوس بعضهم الرغبة في الرحيل، بحثًا عن الحياة…، فقط الحياة…؛ في السطور القادمة نعرض نماذجًا “لحلم الهجرة”، الذي يراود عدد منهم، قل أو كثر لا يهم، المهم أنه فكرة تطفو على السطح.
أم الضحية

السيدة “سمية رمضان أبو النجا”- والدة الطفلة “هدى” التي استشهدت نتيجة سوء التغذية الشديد، حيث كانت من ضمن أسوأ حالات سوء التغذية، الذي ترك أثرًا عنيفا على جسدها، حتى عجز مجمع ناصر الطبي عن إنقاذها، بسبب عدم توفر الإمكانيات والمستلزمات الطبية، وتعالت استغاثات إجلائها من القطاع للعلاج بالخارج، فوقف بطء استجابة منظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية للاستغاثات، وإغلاق الاحتلال للمعابر حائلًا دون ذلك.
ومع اكتمال أركان الجريمة في قتل الطفلة، لم يكن من والدتها إلا الجنوح إلى الهجرة، بحثًا عن حياة كريمة، لا ينشب الاحتلال مخالبه في كل ركن فيها، فقالت: “أتمنى أن يتم اجلائي وزوجي وأطفالي، للعيش في إيطاليا، لعلي أجد حياة كريمة، فالمكان الذي أعيش فيه لا يصلح للسكن، حيث دمر الاحتلال كامل المنطقة، جاعلًا منها صحراء قاحلة، وحالة الطقس شديدة البرودة ليلًا شديدة الحرارة نهارًا، بخلاف الرمال والحشرات والمياة غير الصالحة للشرب، باختصار لا توجد حياة”.
إختارت السيدة إيطاليا، على الرغم من عدم وجود أحد تعرفه بها، سوى شابة إيطالية كانت تسعى لمعاونتها في إجلاء ابنتها للعلاج هناك، كما أنها لا تجيد التحدث باللغة الإيطالية، “لكن الإنسان يتعلم”- هكذا كان اقتراحها لحل مشكلة اللغة.
وعن الأسباب التي دفعتها لاختيار إيطاليا، قالت: “لا أعلم اخترتها تحديدًا، لكنني أشعر بالراحة لتلك الدولة، وربما لأنني أصبحت أملك صديقة فيها؛ كذلك شاهدت فيها الكثير من التظاهرات الداعمة لغزة”.
واختتمت حديثه بنبرة يملؤها الإحباط، فقالت: “أرغب في السفر، بسبب الوضع المأساوي في غزة، لكن السفر لدينا أمر شديد الصعوبة، وأود أن يرشدني أحد، إن كانت صديقتي الإيطالية يمكنها استخراج تأشيرة سفر لنا، فبلادها استقبلت العديد من المرضى، الذين تم إجلائهم للعلاج بالخارج”.
زوجة الشهيد

السيدة “صبحية” هي زوجة الشهيد الصحفي “عبد الرحمن العبادلة”، الذي استشهد في مايو الماضي، حيث استهدفه الاحتلال عمدًا في منطقة القرارة، بينما كان يصور حقيقة الوضع فيها، ضمن حملة استهدافه لكل صحفي بالقطاع، ينقل حقيقة الإبادة الجماعية فيها؛ ليترك الصحفي زوجته وأبناءه الثلاثة، في خيمة مهترئة، أكلتها أشعة الشمس، ولا مأوى لهم غيرها، وهو عائلهم الوحيد.
قصة من غزة… كيف يقتل الاحتلال الكلمة والإنسانية باغتيال صاحبهما؟
ومن أجل تربية أولادها، تبحث عن الخروج من القطاع إلى مصر، فقالت: “أرغب في تربية أولادي، لذا أفكر في الخروج من القطاع، فابني الصغير كيف لي أن أربيه وسط جحيم الحرب”؛ وتابعت كلماتها مؤكدة أن ذلك حلمًا، تشاركت فيه مع زوجها قبيل استشهاده، فقالت: “حلمنا أن وعبد- حسب ما تكنيه- حتى قبيل استشهاده أن نخرج إلى مصر، وكثيرًا ما قال لي أننا سنجهز أنفسنا لهذا الغرض، حتى كان يمزح مع خالتي يوم استشهاده، ويقول: شوفوني كيف بدي أسافر”
وأضافت: “لو استشهدنا جميعًا، لكان ذلك أفضل من الحياة التي نعيشها الآن بدون عبد الرحمن، فأنا لا أعرف كيف سأنظم أموري في الأيام القادمة، حيث أتمنى أن أعلم أبنائي، وأجد لهم مسكنًا، حتى نعرف ما سيحدث، وإن كنا سنتمكن من السفر، ونحيا بالخارج حتى يأتي الله بالفرج، كما كان يحلم زوجي أم لا؛ فقد كان قبل الحرب في مصر لإجراء جراحة لوالدته، وبعد اندلاع الحرب، قال لي: أنه لو كان يعلم بحدوث ذلك، لما عاد إلى القطاع، حيث عاد من أجل أبنائنا قبيل بدء الحرب”.
كلتا القصتين لامرأتين تحملتا من أهوال الحرب، ما قد ينوء بحمله أشد الرجال، فقد استهدف أرواحهما مثل كل غزي، قبل أن يستهدف أجساد ذويهما، وأقرب الناس إليهما، فأضحت الهجرة في عيونهما حلمًا أخضر، ليس مفروشًا بالورود، إنما يحمل شيئًا من حياة، حرمهما الاحتلال إياها في الوطن.


