تقارير-و-تحقيقات

من جرجا إلى طوكيو.. علي الجرجاوي شيخ حمل الإسلام إلى إمبراطور اليابان

 

تقرير: مصطفى علي

في مطلع القرن العشرين، وبينما كانت دول العالم تقف بدهشة أمام الصعود الياباني السريع بعد انتصارها على روسيا عام 1905، كانت مفاجأة أكبر تتشكل في قرية صغيرة بجنوب مصر شيخ أزهري بسيط، لا يملك من الدنيا إلا بضعة أفدنة وعلمًا يسيرًا وغيرة على دينه، يفتح صحيفة فيجد دعوة من رئيس وزراء اليابان إلى علماء العالم لعرض دياناتهم على الإمبراطورية اليابانية بحثًا عن دين جديد يوافق نهضتها الحديثة.

كان الحدث عالميًا لكن الذي لم يتوقعه أحد أن يكون أحد أبطاله رجلاً جاء من أعماق الصعيد، حمل على كتفيه مسؤولية أمة كاملة، وسافر وحيدًا عبر قارات وبحار ليطرق باب إمبراطور اليابان نفسه.

دعوة غير مسبوقة من أقصى الشرق

عام 1906 نشرت الصحف المصرية خبرًا أثار تساؤلات واسعة:
الكونت كاتسورا، رئيس وزراء اليابان، يوجّه دعوة رسمية لعلماء الأديان والفلاسفة والحكماء لعرض معتقداتهم على اليابان لاختيار دين رسمي.

كانت اليابان بعد انتصارها العسكري الساحق تبحث عن نظام فكري وروحي يواكب مشروع التحديث الضخم الذي بدأته ولم تتردد في فتح أبوابها أمام العالم كله.

في جرجا، جلس الشيخ علي الجرجاوي يقرأ الخبر ومع أن القراء اكتفوا بالدهشة، كان إحساس آخر يتكون داخله:
هذه ليست دعوة بل نداء واجب.

سارع الشيخ الجرجاوي إلى القاهرة، يحدوه أمل في أن يتحرك الأزهر المرجعية الكبرى لاغتنام الفرصة عرض الأمر على العلماء، شرح خطورة الموقف، وأظهر لهم عزم اليابان على اختيار دين جديد.

لكن الردود كانت أقرب إلى المجاملة منها إلى الفعل:
إن شاء اللة ربنا يسهّل.

كتب الجرجاوي مقالات متتابعة في صحيفة الإرشاد، يناشد العلماء والوجهاء:
«تحركوا اليابان تنتظر من يقدّم الإسلام بصورة حضارية».
لكن النداء ضاع بين صخب السياسة ورُكون الناس إلى السكون.

عند هذه اللحظة أدرك الشيخ أن عليه أن يتحرك وحده.

قرار يهزّ حياة رجل واحد

كان الشيخ يملك خمسة أفدنة فقط إرثه الوحيد ومع أن الأسرة توسلت إليه ألا يغامر، قرّر بيعها جميعًا.
بكى أهله، وخاف أصدقاؤه، وتساءل كثيرون:
«إلى أين تذهب؟ ولماذا؟»

أما هو فقال:
«أذهب لنصرة دين الله لن أتردد».

كان ذلك القرار لحظة فارقة إذ تحوّل الشيخ من مجرد قارئ للخبر إلى رجل يقرر خوض رحلة ستُخلّد في كتب التاريخ.

انطلقت السفينة من ميناء الإسكندرية، وبدأت رحلة طويلة تشق البحار والمحيطات مرّت الرحلة بالموانئ التالية:

إيطاليا

عدن

بومباي

كولومبو

سنغافورة

هونغ كونغ

سايغون

وأخيرًا: يوكوهاما

واجه الشيخ خلال تلك الأسابيع العواصف، وتأخر السفن، وانقطاع التمويل، والجوع، والوحدة، والغربة الكاملة.
وكان يسجل يومياته بدقة، في وعي منه أنه يصنع فصلًا من فصول الدعوة الإسلامية في أشد بقاع العالم بعدًا عن مكة.

مشهد الميناء حين جمع القدر الأمة بلا موعد

عندما وصل الشيخ إلى ميناء يوكوهاما لم يتوقع ما رآه:

علماء من الهند

مبعوثون من الصين

أئمة من القوقاز

وفد تونسي

وعشرات الدعاة من دول العالم الإسلامي

ثم المفاجأة الأكبر: بعثة رسمية ضخمة أرسلها الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني

لقد تحركت الأمة، كل من جهته، دون اتفاق مسبق.
كان المشهد كأنه إجابة على إخلاص رجل خرج وحده فوجد نفسه وسط وفد إسلامي عالمي.

طوكيو تستقبل الإسلام

انتقل الوفد الإسلامي إلى العاصمة طوكيو، حيث خُصصت لهم قاعات ومحافل لإلقاء المحاضرات وعقد المناظرات.
وبدأت المعركة الفكرية الكبرى: عرض الإسلام أمام مفكرين يابانيين متعطشين لفهم الأديان.

يقول الشيخ الجرجاوي في كتابه إن تفاعل اليابانيين كان «مذهلًا»، وأنهم أحبّوا بساطة الإسلام ونظامه الأخلاقي ومفهومه عن الدولة والأسرة والعدل.

وفي الشوارع، كان الشيخ يخرج مع مترجم ياباني يجيد العربية، فيقف الناس ليستمعوا ثم يعلن كثيرون إسلامهم فورًا.
وتُقدَّر أعداد الذين أسلموا عبر الوفد بالآلاف.

اللحظة التاريخية إمبراطور اليابان على حافة الإسلام

يُعد هذا الفصل من القصة الأكثر إثارة:
فقد قابل الوفد الإسلامي الميكادو إمبراطور اليابان، وهي لحظة نادرة في تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والشرق الأقصى.

تحدث الإمبراطور مطولًا مع الوفد، وسأل أسئلة دقيقة حول العقيدة والشريعة.
ووفق ما أورده الجرجاوي في مذكراته، قال الإمبراطور جملة صادمة:

«إن وافق وزرائي اخترت الإسلام دينًا للإمبراطورية».

ويشير الجرجاوي إلى أن الإعجاب الشديد بالإسلام كان واضحًا، لكن الوزراء اعترضوا، خوفًا من ردود فعل الشعب والطبقات المتنفذة.
وبذلك توقفت الخطوة الكبرى عند عتبة التاريخ دون أن تنتهي.

 

العودة من الشرق ومعه وثيقة مذهلة للتاريخ

عاد الشيخ الجرجاوي إلى مصر بعد شهور قضاها في اليابان، وهو يحمل معه مذكرات دقيقة عن كل محطة.
وأصدر كتابه الشهير:
«الرحلة اليابانية: مذكرات عالم أزهري في طوكيو»
الذي أصبح اليوم من أهم المصادر التاريخية عن بدايات التعرف الياباني على الإسلام.

عاد بلا مال ولا أرض، لكن بقصة صنعت له مكانًا يليق بالرواد الكبار.
من هو علي الجرجاوي؟

عالم أزهري من جرجا، ولد في بيئة بسيطة.

كاتب ومحرر في الصحف المصرية مطلع القرن العشرين.

صاحب أشهر رحلة دعوية عربية إلى اليابان.

من أوائل من قدّموا الإسلام في العصر الحديث بصورة عقلية ومنظمة في الشرق الأقصى.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى