
تقرير: مروة محي الدين
خلال النصف الأخير من نوفمبر الماضي، راح الجنرال “فابيان ماندون”- رئيس أركان الجيش الفرنسي- يدعو الشعب الفرنسي للاستعداد، لتحمل خسارة أبنائهم في الحرب مع روسيا، ومالبثت الحكومة الفرنسية أن حذرتهم من احتمالات اندلاع حرب مع روسيا، مطالبتهم بالاستعداد بخطة طوارئ، لتخزين ما يكفي لثلاثة أيام من حدوث الأزمة، بما يشمل 6 لترات من المياه لكل فرد، وطعام معلب وأدوية أساسية، وراديو يعمل بالبطاريات، ومصباح يدوي، وألعاب وكتب للتسلية.
الأمر الذي يطرح التساؤل، عن دنو فعلي لمواجهة عسكرية شاملة، بين روسيا وأوروبا، تدفع الحكومة الفرنسية لمثل تلك الإجراءات، أم أن للحدث دلالات أخرى، وهو ما وضحه الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي المقيم في باريس- في تصريحات خاصة لليوم، فقال: “إن تلك الاستعدادات تأتي في سياق تصاعد التوتر بين الناتو وروسيا، منذ غزو أوكرانيا عام 2022، الذي أدى إلى تحول العقيدة الفرنسية من الردع إلى الاستعداد المباشر، عبر محاولة استباقية لمواجهة سيناريوهات التصعيد المحتملة؛ وموجهًا عدة رسائل إستراتيجية: للجبهة الداخلية ببناء القدرة على الصمود، ولروسيا: بإرسال رسالة ردع بالجاهزية، وللحلفاء: بتأكيد الالتزام بالمادة الخامسة لحلف الناتو”.
وأضاف: أنه “من المتوقع حدوث حرب عالية الكثافة، تتطلب تجنيداً شعبياً، تبدأ بالتعدي على إحدى الدول الأعضاء في الناتو، وذلك خلال الفترة من 2027- 2030؛ وأن الاستعداد اللوجيستي المطروح يعكس دروساً من حرب أوكرانيا، كما تركز على الاتصالات (الراديو) باعتبارها عنصر حاسم، بينما تركز خطة الطوارئ المنزلية على الاكتفاء الذاتي لمدة 3 أيام”.
لماذا الآن؟
يرى “الألفي”: أن ذلك الحدث يأتي في إطار، “تنفيذ فرنسا عملية شاملة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي والأمني، في واحدة من أهم التحولات الإستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، ويظهر ذلك على عدة مستويات:
- المستوى النفسي والاجتماعي: تسعى الحكومة الفرنسية إلى إدارة التوقعات الجماهيرية، عبر استخدام صدمة (خسارة الأبناء) لخلق وعي بالتكاليف، والانتقال من ثقافة السلام إلى ثقافة الاستعداد للحرب، وبناء العقد الاجتماعي الجديد القائم على التضحية؛ وذلك بهدف تحقيق استجابة نفسية تتمثل في: خلق الوعي بالهشاشة دون التسبب بالذعر، والتوازن الدقيق بين التحذير والتخويف، واستخدام التطبيع مع فكرة الحرب آلية للدفاع النفسي.
- المستوى السياسي والدبلوماسي: يحاول ماكرون إعادة تصدر القيادة الأوروبية، كما يسعى إلى استباق انتقادات المعارضة بخصوص ضعف الجاهزية، وإعداد الرأي العام لتغييرات في السياسة الدفاعية؛ وعلى المستوى الخارجي يعمل على تصعيد الخطاب الغربي تجاه روسيا، واختبار ردود الفعل الروسية على هذه الاستعدادات، والتأثير على مفاوضات السلام في أوكرانيا”.
الدور القيادي بأوروبا
يشير “الألفي” إلى: أن “فرنسا تحاول استعادة الدور القيادي في أوروبا، حيث تنافس ألمانيا على قيادة السياسة الأوروبية تجاه روسيا، كما تستعد لاحتمال القيادة العسكرية للناتو؛ وأن الخطوة الفرنسية قد تلقي بظلالها على المنطقة، فينتج عنها تصعيد عام في الخطاب الأمني الأوروبي، وقد تؤثر على أسواق الطاقة والأمن الغذائي، وتعيد تعريف مفهوم الأمن القومي في العصر الحديث”.
وأضاف: “وقد أحسنت الحكومة اختيار التوقيت، حيث استبقت التقارير الاستراتيجية لعام 2025، وحاولت بناء الزخم قبل الانتخابات الأوروبية”.
بين اليمين واليسار
في رد فعل تيار أقصى اليسار على خطة الاستعداد للحرب، وصفها “جان لوك ميلانشون”- رئيس حزب فرنسا الأبية- بأنها استفزازية وخطيرة، وتمثل استسلامًا للهستيريا المناهضة لروسيا، وتصعيدًا للتوتر معها دون ضرورة، ورفض تبعية فرنسا للولايات المتحدة والناتو، داعيًا لدبلوماسية سلمية مع روسيا.
كما رأى أن خطاب الحكومة هستيري وغير مسؤول، يهمل الأولويات الحقيقية، بالتركيز على حرب وهمية بدلاً من معالجة الفقر، وإهمال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الحالية، وتحويل الموارد من الخدمات العامة إلى التسلح؛ ووصف تصريح رئيس الأركان حول خسارة الأبناء بأنه: غير إنساني، متهمًا الحكومة بتطبيع الموت من أجل أجندة سياسية، وحذر من تأثير هذا الخطاب على الصحة النفسية للشباب؛ وطالب الحكومة بالتركيز على مكافحة الفوارق الاجتماعية.
ولم تختلف معه كثيرًا “مارين لوبان”- رئيسة حزب الجبهة الوطنية- الممثلة لتيار اليمين المتشدد، حيث رأت الخطة خيانة المصالح الوطنية الفرنسية، حيث اتهمت ماكرون بتقديم أجندة الناتو على مصالح البلاد، واعتبرتها إضعاف لفرنسا عسكرياً واقتصادياً، وحذرت من استنزاف المخزون العسكري الفرنسي، عقب إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا على حساب الدفاع الفرنسي، وحذرت من تحول فرنسا إلى دولة تابعة للولايات المتحدة، داعية إلى سياسة خارجية فرنسية مستقلة، وطالبت بالتركيز على الحدود الفرنسية بدلاً من الصراعات الخارجية.
وهاجمت خطاب الحكومة، معتبرة إياه استغلال عاطفي للمواطنين، واتهمتها بإرهاب المواطنين نفسياً، ووصفت خطاب خسارة الأبناء بأنه غير أخلاقي، داعية إلى حماية الشباب الفرنسي من مغامرات ماكرون؛ وطالبت بالخروج من القيادة العسكرية للناتو، وإعادة فرض التجنيد الإلزامي للشباب الفرنسي، وعمل تحالف استراتيجي مع روسيا، بعد إنهاء الصراع في أوكرانيا.
وفي تحليله لانتقادات اليمين واليسار، قال “الألفي”: أن “ما يحدث يعكس إعادة تنظيم المشهد السياسي الفرنسي، حيث يرفض كلا من اليمين واليسار فكرة الحرب، على الرغم من أنه في الصراعات التقليدية يرفضها اليسار ويؤيد اليمين الجيش، ويتجسد الاختلاف بينهما في الأسباب الدافعة للرفض؛
فيرفضها اليسار بسبب رؤيته لصراع الحضارات باعتباره مفهوم إمبريالي، ورفضه مفهوم الحرب العادلة في السياق الحالي، بينما يمكن للدبلوماسية أن تحل جميع النزاعات؛ أما اليمين فتتجسد أسس رفضه لها في: القومية المتطرفة ومعاداة الأممية، والشكوك التي يحملها نحو التحالفات الدولية ومن بينهما الناتو، لإيمانه باستقلالية فرنسا الكاملة”.
الرأي العام الفرنسي
أشارت استطلاعات الرأي العام الفرنسي إلى انقسامه على نفسه، فأيد كثير من ناخبي الوسط والتقليديين الاستعداد للحرب مع روسيا، وبلغت نسبة المؤيدين 42%، فيما رفضها الشباب تحت سن 35 سنة بشدة، ورجح 58% من المشاركين في استطلاعات الرأي، أن ما جرى على لسان الحكومة محض تصريحات مبالغ فيها.
كما أكد “الألفي”: “أن هناك انقسام بين الأجيال، حيث يميل كبار السن لتأييد الاستعدادات، بسبب ما يحملونه من روايات الحرب العالمية الثانية، فيما برفضها معظم الشباب، وينظرون إليها باعتبارها حربا من الماضي”.
رد الحكومة الفرنسية
عملت الحكومة على إدارة الانتقادات التي وجهت لها، فاتهمت وزيرة الدفاع المعارضة باستغلال الكلمات خارج السياق، للتقليل من التأثير، وأكدت على الوعي الوطني بدلاً من التجهيز للحرب- حسب تصريحات “الألفي”.
وأجمل تحليله للحدث، فقال: “يبدو أن فرنسا أمام مفترق طرق وجودي، يتجاوز مجرد خطة طوارئ، حيث يظهر ذلك الجدل حدوث أزمة شرعية في الخطاب الأمني الرسمي، وانقسام عميق في الرؤية الإستراتيجية لفرنسا، وتحولاً في التحالفات التقليدية حول قضايا الدفاع؛ ويتجاوز الاستعدادات للحرب، ليصل إلى هوية فرنسا في النظام الدولي، ومستقبل السيادة الفرنسية، وطبيعة القيادة السياسية في الأزمات”.



