شعر النساء يعود للواجهة..إصدار نادر يُطبع لأول مرة منذ 80 عامًا

كتب:مصطفى علي
في خطوةٍ تُعيد الاعتبار لصفحاتٍ منسية في تاريخ الأدب العربي، يستعد معرض القاهرة الدولي للكتاب لطرح عملٍ نادر يُطبع لأول مرة منذ أكثر من ثمانين عامًا، وهو كتاب «شِعر النساء في الأدب العربي» للمؤلف الأزهري البارز الشيخ محمد كامل إمام الفلاح، أحد علماء الأزهر الشريف في النصف الأول من القرن العشرين.
الكتاب الذي تقدّم به مؤلفه إلى الأزهر الشريف عام 1943م ظلّ حبيس الأرفف والمخطوطات لعقود طويلة، قبل أن يرى النور أخيرًا في طبعة تُعَد إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، خصوصًا في مجال الدراسات الأدبية المتعلقة بالشعر النسائي عبر العصور.
يمثل هذا الإصدار حدثًا ثقافيًا بارزًا، ليس فقط لقدم مادته أو ندرتها، بل لما يحمله من أطروحات جريئة، وتصويبات نقدية، ورؤية تحليلية رصينة تبني سياقًا متكاملًا لمكانة المرأة في الشعر العربي منذ الجاهلية إلى العصر الحديث.
تصويب نقدي نادر: ردٌّ علمي على ابن خلدون وأئمّة عصره
يتضمن الكتاب مفاجآت علمية لافتة؛ أبرزها نقدٌ مباشر لابن خلدون وبعض أساتذته في قولهم إن شعر المتنبي وأبي العلاء هو “نظمٌ لا شعر”.
ويفند المؤلف هذا الرأي تفنيدًا منهجيًا، معتمدًا على تحليل بنية القصيدة العربية، ومقارنة خصائص النظم والشعر، وبيان ما في رأي ابن خلدون من تحامل أو انزياح عن طبيعة الشعر الموزون المعبّر.
هذه المواجهة النقدية تعد من الدراسات المبكرة التي أعادت الاعتبار إلى مكانة المتنبي والمعري الشعريّة من منظورٍ أكاديمي لا يخضع للأهواء أو المزاجية النقدية.
السجال القديم: أيهما أسبق.. الشعر أم النثر؟
يعالج الكتاب واحدًا من أقدم الأسئلة في نقد الأدب العربي، وهو الخلاف حول أسبقية الشعر على النثر.
ويعرض المؤلف الرؤى المتباينة، ثم يقدّم رؤيته الخاصة المدعومة بالشواهد اللغوية والتحليل التاريخي، ليخلص إلى تصور متكامل حول طبيعة ميل الإنسان الأول إلى الإيقاع والصوت قبل انتظام اللغة في قوالب نثرية مجردة.
من الطفولة الشعرية إلى تراجع الانتشار: بدايات التعبير النسائي
يخصّ الكتاب مساحة كبيرة لتحليل بدايات الشعر عند النساء، معتبرًا أن التعبير الشعري النسائي مرّ بمرحلة “طفولة فنية” نادرة التناول في الدراسات التقليدية.
ويتناول المؤلف العوامل الاجتماعية والنفسية التي رافقت نشأة الشعر في البيئة النسائية، وصولًا إلى الأسباب التي أدّت إلى قلّة المروي من شعر النساء مقارنة بما وصل عن الرجال.
ويرى المؤلف أن هذا النقص ليس دليلًا على غياب إنتاج المرأة، بل على صعوبة تدوين شعرها في مجتمع قبلي كان يمنح مساحة أكبر للرجل في الظهور والتاريخ.
مصادر الشعر النسائي.. ومراجعة نقدية لصدق الروايات
يتوقف الكتاب أمام مصادر الشعر النسائي، فيفحص الروايات، ويقارن بين المصادر القديمة، ويحلّل مواضع الاضطراب والتحريف، ليصل إلى تقييم نقدي مهم يميز بين الموثوق والمختلق والمبالغ فيه.
ويفاجئ المؤلف القارئ برصد جوانب من إهمال الرواة لشعر النساء، إما استهانةً أو جهلًا، مما ساهم في ضياع كثير من القصائد أو انتحال بعضها.
مدرسة خاصة في الرثاء: المرأة وصناعة الوجدان
يطرح المؤلف فرضية جديدة تثبت أن للمرأة مذهبًا مستقلًا في فن الرثاء، يختلف جذريًا عن مذهب الرجال في الموضوع والصياغة والانفعال.
فالمرأة كما يبين البحث كانت قادرة على نقل الحزن بصوتٍ أقوى تأثيرًا، وأشد اقترابًا من الحقيقة، وهو ما جعل الرثاء مساحة الإبداع الأكبر لدى الشاعرات.
هذا التمايز الشعوري واللغوي اعتبره المؤلف “بصمة نسائية خالصة” في تاريخ الشعر العربي.
لماذا لم تتغزّل الشاعرة الجاهلية؟ تحليلٌ لأغراض الشعر النسائي
من الإسهامات اللافتة في الكتاب، تحليل المؤلف للأسباب التي جعلت الشاعرة الجاهلية لا تتغزّل ولا تمدح ولا تهجو، ولا تفرد الفخر بغرض مستقل كما فعل الرجال.
ويعزو المؤلف ذلك لعوامل اجتماعية وثقافية، منها:
طبيعة البيئة القبلية التي تحد من ظهور المرأة في مواقف التفاخر.
حساسية الغزل من جهة الأعراف.
ارتباط المدح والهجاء بالسلطة والنفوذ، وهي مجالات لم تكن المرأة جزءًا منها.
ويُظهر هذا التحليل وعيًا اجتماعيًا نادرًا لدى مؤلف ينتمي إلى أوائل القرن العشرين.
سجل تاريخي شامل: الشعر النسائي عبر ستة عصور
يأتي الكتاب كأحد أوسع الموسوعات في رصد شعر النساء، حيث يمتد عبر ستة عصور كاملة:
1. العصر الجاهلي
2. صدر الإسلام
3. العصر العباسي
4. العصر الأندلسي
5. العصر التركي
6. العصر الحديث



