طالبان بين الدوحة ونيودلهي.. خبير هندي لـ”اليوم”: تغير قواعد اللعبة يربك حسابات باكستان

تقرير: سمر صفي الدين
في مشهد تتقاطع فيه نيران الحدود مع مقاعد التفاوض، وجدت حركة طالبان نفسها في قلب معادلة إقليمية معقدة، تحاول فيها الموازنة بين التصعيد العسكري مع باكستان والانفتاح الدبلوماسي على الهند، في ما يراه محللون “انعطافة استراتيجية” تعكس تحوّل الحركة من فاعل أمني مغلق إلى لاعب إقليمي يختبر أدوات السياسة الواقعية.
ضبط النفس في الدوحة.. رسالة تهدئة أم اختبار صبر؟
بعد أيام من الغارات الباكستانية على إقليم باكتيكا جنوب شرقي أفغانستان، أعلنت طالبان –على لسان متحدثها ذبيح الله مجاهد– تجميد الرد العسكري مؤقتًا “احترامًا للوساطة القطرية” التي ترعى محادثات حرجة بين كابل وإسلام أباد.
مصادر أفغانية أكدت أن قرار الحركة جاء استجابة لضغوط داخلية وخارجية. إذ تخشى القيادة أن يؤدي استمرار القصف المتبادل إلى نسف المحادثات التي تُعد آخر خيط دبلوماسي يمنع انزلاق البلدين إلى مواجهة شاملة.
وتشير المعلومات إلى أن وزير الدفاع الملا يعقوب مجاهد ورئيس الاستخبارات عبد الحق واثق وصلا الدوحة لعقد لقاء مباشر مع وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف. بهدف إعادة تثبيت وقف إطلاق النار ومناقشة الاتهامات المتبادلة بإيواء جماعات مسلحة.
في المقابل، شددت إسلام أباد على ضرورة “منع الإرهاب المنطلق من الأراضي الأفغانية”. بينما وصفت كابل الغارات الأخيرة بأنها “عدوان مباشر” على السيادة الأفغانية.
من الدوحة إلى نيودلهي.. دبلوماسية الانعطاف نحو الشرق
وفي موازاة هذا التوتر مع إسلام أباد، فاجأت طالبان المراقبين بإيفاد وزير خارجيتها أمير خان متقي إلى الهند، في زيارة غير مسبوقة منذ سيطرة الحركة على كابل عام 2021.
الزيارة التي وُصفت في الأوساط الدبلوماسية بأنها “خطوة لكسر العزلة”، شهدت لقاءات بين متقي ونظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار، وتوجت بإعلان نيودلهي ترقية بعثتها في كابل إلى مستوى سفارة كاملة.
الاتفاقات شملت إنشاء ممر جوي مباشر للتبادل التجاري، واستئناف مشاريع البنية التحتية، وتنسيقًا أمنيًا لمكافحة “الإرهاب العابر للحدود”.
أما الزيارة الرمزية لدار العلوم الديوبندية –المؤسسة التي شكلت الأساس الفكري لطالبان– فقد قرأها محللون كرسالة “لاهوتية سياسية” تربط بين الجذور الفكرية في الهند والسلطة السياسية في كابل، لتقديم الحركة بصورة أكثر “اعتدالًا”.
طالبان تتغير.. والهند تقتنص اللحظة
وفي هذا الصدد، يرى الدكتور جسيم الدين، مترجم حكومي لولاية بيهار، الهند، أن في حين تمثل زيارة وزير الخارجية الأفغاني أمير متقي إلى الهند تجديدًا للعلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين. فإنها تمثل أيضًا فرصةً للتأمل بالنسبة لجارة باكستان. فباكستان المجاورة لا ترغب أبدًا في أن تكون للهند علاقات دبلوماسية مستقرة مع أفغانستان.
وأضاف في حديثه لـ”اليوم”، يعتقد الشعب الهندي أن المنظور الذي نظرت منه الهند إلى الحكومة الأفغانية بقيادة طالبان في الماضي القريب قد شهد الآن تغييرًا ملحوظًا.
وعلاوة على ذلك، أضاف جسيم الدين أن ترحيب الهند بوزير الخارجية الأفغاني. وإهدائه عشرات سيارات الإسعاف. وافتتاح سفارتها في أفغانستان، يُعد تغييرًا سياسيًا ودبلوماسيًا كبيرًا.
بالإضافة إلى أنه سيقدم أيضًا مساعدة استثنائية في كبح الأنشطة الإرهابية التي تنفذها جارتها باكستان.
الصين وقطر.. لاعبان في خلفية المشهد
في ظل تنافس حاد على النفوذ في كابل، تتحرك الصين بثبات داخل مبادرة “الحزام والطريق”. فيما تسعى قطر لتثبيت دورها كوسيط دبلوماسي قادر على التهدئة.
ويرى المحلل الأفغاني وحيد مزمل أن “الدوحة تمسك بخيط الوساطة. بينما تحاول نيودلهي الإمساك بخيط النفوذ، وكلاهما يعيدان رسم خطوط التماس في جنوب آسيا”.




