أعمال مدفونة في الجبل.. حين يتحول السحر إلى فاجعة
الهلوسة أم السحر؟ خبراء يفسرون الظاهرة من زوايا مختلفة

تحقيق- محمود عرفات
خيَّم حزن على رواد مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، وذلك بسبب شابة تدعى “هدير حمدي” من محافظة الأقصر تبلغ من العمر ثلاثين عاما، حيث راحت ضحية السحر والحسد بسبب رسالة أتت إليها من شخص مجهول يتوعدها بالأذى والضرر، ثم ماتت بعد أيام من نشر هذه الرسالة.
بالرغم من عدم التأكد من أن وفاتها جاء بسبب السحر وأن هناك ثمَّة علاقة بين الرسالة والمرض المؤدي للوفاة؛ إلا أن قضيتها أعادت فتح النقاش المجتمعي حول السحر والمس، وهي موضوعات كثيراً ما تعود إلى الواجهة عندما يصعب تفسير الحالات المرضية طبياً، وهذا ما نناقشه في هذا التحقيق من عدة زوايا.

السحر والحسد من منظور العلاج الروحاني
قال عمر الليثي المعالج الروحاني إن نسبة كبيرة تصل إلى 99% ممن يذهبوا إلى المشايخ ويقومون بالصراخ والعويل وما إلى ذلك ليس فيهم شيء يخص المس والسحر، وإنما هو مرض نفسي أرّقهم، أو وهم أتى عليهم عن طريق كذب من دجال دلهم على أنهم مسحورين، مع التسليم بوجود المس والسحر وهناك حالات مستعصية قابلناها كثيرا.
علاقة الأمراض النفسية بالسحر
وأضاف عمرو الليثي في تصريح خاص لجريدة اليوم أن هذا بالطبع لا يعني أن هناك مس وسحر، بل إنهما ثابتين بالكتاب والسنة ولا يشك في ذلك عاقل، لافتا إلى أن الأمراض النفسية شبيهة جدا بالأمراض الروحانية التي تتمثل في السحر والحسد وخلافه، موضحا أن التفرقة بينهما تكمن في شيء بسيط يتمثل في أن الوسواس القهري على سبيل المثال لا يذهب بقراءة القرآن والذكر والذهاب إلى المشايخ بل من الممكن أن يزيد، إذًا فهو وسواس نفسي من الدرجة الأولى، أما الوسواس الشيطاني يذهب بقراءة المعوذتين كما قال الله تعالى: “وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم”.
وأكد أن الأذى الشيطاني يستجيب مع القرآن بسرعة، أما الأذى النفسي قد يصلي الإنسان ويقرأ القرآن ولكن العلة ثابتة، وتابع قائلا: “كثير من الناس يظل سنوات يتابع مع مشايخ دون ذهاب العلة منه، تقول له ماذا فعل معك يقول كتب لي ورقة يها قرآن لأستحم به ولكن العلة قائمة”، لافتا إلى أن في هذه الحالة أقول إنك ليس بك مس ودواؤك ليس عن المشايخ، وإنما هو مرض نفسي يستدعي زيارة طبيب.
صداع ونار في المعدة.. علامات تدل السحر
وعن السؤال عن كيف يعرف الإنسان أنه مسحور أو ممسوس قال إن الإنسان إذا شعر بتعب وتغير مفاجئ في جسده فإن عليه أن يذهب أولا إلى طبيب متخصص يعرض عليه شكواه العضوية وهو يقرر العلة التي فيه ويصف له دواؤها، أما إذا كانت الشكوى تتعلق بالأفكار والاكتئاب وما إلى ذلك ليذهب إلى طبيب نفسي ليعرض عليه حالته، مؤكدا أن الشيخ دوره يأتي متأخرًا في حالة عجز الأطباء عن مداواة المريض.
وذكر أن هناك علامات تدل على أن الإنسان مس أو حسد، وهي تأتي عن طريق أن يقرأ الرقية الشرعية أو يسمعها، وبعد القراءة أو السماع تظهر بعد الأعراض، وذلك كأن يشعر بصداع كبير، أو يحدث نار في المعدة كأن النار اشتعلت فيها، أو عضو من أعضاء الجسد يحدث فيه تشنج كبير يشل حركة اليد أو القدم، لافتا إلى أن هذه الحالة خاصة بمن مسه جان دون المحسود، يحدث التهاب في المعدة كأن النار اشتعلت فيها، موضحا أن هذه الأعراض لم تكن لتأتي لولا سماع أو قراءة الرؤية الشرعية.
وشدد على أن هناك دجالين كثر في مجال العلاج الروحاني، خاصة من يقومون بنشر إعلانات مدفوعة في القنوات غير المعرفة تحت بند “جلب الحبيب” ورد المطلقة” مؤكدًا أن هذه الأمور تعد من الإشراك بالله وعلى من يرى تغيرا مفاجئا في جسده أن يؤخر المشايخ ويزور الأطباء العضويين والنفسين أولا.

السحر شماعة المرضى النفسيين
من جانبه قال دكتور عماد مخيمر رئيس قسم علم نفس الأسبق بجامعة الزقازيق إن هناك علاقة غير مفهومة بين السحر والنفسية، وكأن السحر إن جاز التعبير مع التسليم بأنه بالفعل موجود وثابت ديننا إلا أنه صار “شماعة” يعتمد عليها من كان يعيش حالة من القلق والخوف المستمر أو تأخر في زواج، مشيرا إلى أن الأمر يكون من بدايته مرض نفسي يحتاج إلى زيارة مريض ومع جلسات ليست بالكثيرة من الممكن أن يتعافى؛ إلا أنه عاش على الجهل وتابع الخرافات والدجالين فبدأ يقتنع أن هناك من أذاه وقام بإحضار عمل سحري ودفنه في الجبل وما إلى ذلك، مؤكدًا أن هذا الأمر يزيد من الاضطرابات النفسية التي قد يصعب معها العلاج.
أعمال مدفونة.. وشعور بالعجز
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن الشخص الذي يقرر أن يقوم بعمل سحري لغيره ويدفنه في الجبل هو غالبا ما يكون لديه اضطرابا نفسيا شديدا من أثر الغيرة أو الكره الشديد، وسبب العجز جعله يلجأ إلى مثل هذه الأمور، مؤكدًا أنه في هذه الحالة يتصرف دون النظر إلى عواقب الأمور ومآلتها، لافتا إلى أن الخطر ليس في المريض نفسه وإنما فيمن يطلقون على أنفسهم مشايخ ويستغلوا ضعف هؤلاء الناس وجهلهم لجمع الأموال بدعوى أنهم سيقومون بحل مشاكلهم، مشيرا إلى أنهم لو كانوا مشايخ دين حقيقيين لقاموا بتوجيههم إلى طبيب أولا ليفحص حالتهم، وتابع قائلا: “ما هو مش كل اللي يتعب يبقى مسحور يعني”.
مشاكل نفسية عميقة.. ترك العلاج الحقيقي
وأوضح أن حالة العزوف عن الأطباء والذهاب إلى المشايخ في كل كبيرة وصغيرة ينتج عن طول المدة دون جدوى، لافتا إلى أن هناك من تخطى عشرات السنين يتابع مع مشايخ دون جدوى، مؤكدا أن هذا يسبب مشاكل نفسية أعمق قد تصل بالإنسان الاكتئاب، أو الوسواس القهري، أو حتى إيذاء النفس أو الغير، قائلا: “دا شفناه في حالات كتير”.
التوعية والثقة بالله.. حلول عملية
وذكر أن العلاج النفسي لمثل هذا الحالات يكمن في توعية الناس بضرورة الإيمان بالتخصص وزيارة الأطباء في المقام الأول، ثم العودة إلى الثقة بين الإنسان وربه، لكي يفهم الناس أنه لن يحدث شيء إلا بإذن الله، وأن العلاج الحقيقي هو النفسي والديني السليم ليس الحفر في المقابر.”
وعن كيفية التعامل مع من يعتقد أنه مسحور، شدد على ضرورة عدم السخرية منه لأنها تزيد من إحساسه بالضعف والعزلة وتزيد من اضطرابه النفسي، مشيرًا إلى أنه لا بد من التعامل مع يقوله بأهمية حتى لو قال كلاما يستحيل تصديقه، الإحساس بالاهتمام أمر يعين على الحد من زيادة المشاكل، متابعا: بعدين يذهبوا به لطبيب نفسي يساعدهم يفهموا إذا كانت الأعراض ناتجة عن مرض نفسي زي الوسواس أو الاكتئاب.
وأردف: أذا كان مؤمنا بالعلاج الديني لا مشكلة من الاستعانة بشخص موثوق من أهل الدين، ولا بد من الثقة لأن هناك دجالين كثر، هذا بجانب إبعاد عن من يؤكد له أنه مسحور لأن هذا يغذي الخوف والوسواس، مشددًا على أن توفير الدعم نفسي والاحتواء أهم من أي علاج، خصوصًا في البداية.

السحر والأعمال تحت مجهر القانون
من جهته قال أحمد يوسف محمد الخبير القانوني إن السحر ذاته غير مُجرَّم بنص خاص في القانون المصري، لكن ممارسته تتحول إلى جريمة كلما اقترنت بالنصب أو الاحتيال أو الإضرار بالغير.
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أنه تطبيقًا لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، لا يُحاسَب أي شخص على السحر بوصفه جريمة مستقلة، لأن القانون المصري لم ينص على ذلك. لكن يمكن مساءلته جنائيًا إذا انطوت أفعاله على نصب أو دجل أو انتهاك حرمة المقابر، وهي جرائم منصوص عليها في القانون.
وأوضح أنه يجوز للمتضرر من السحر أن يرفع قضية، لكن ليس بوصف السحر جريمة، وإنما من خلال الأوصاف القانونية المتاحة مثل النصب، والدجل والشعوذة، والاعتداء على الخصوصية، أو المطالبة بالتعويض عن الضرر النفسي أو المادي. فالقانون يعاقب على الأفعال الواقعية التي تُلحق الضرر، لا على فكرة السحر ذاتها.
وأكد أن السحر نفسه ليس جريمة، لكنه يتحول إلى نصب عندما يستغل الجاني خوف الضحايا ويأخذ منهم مالًا، وقد يُعد تهديدًا للأمن المجتمعي حين يؤدي إلى اضطراب، أو استغلال، أو إضرار متعمّد، وبالتالي يتعامل القانون المصري مع آثاره بوصفها أفعالًا مجرَّمة، لا بوصف السحر ذاته.
وعن وجود سوابق قضائية لها صلة وثيقة بالموضوع قال: نعم توجد بالفعل سوابق قضائية في مصر قضت بمعاقبة أشخاص ارتكبوا أفعال تُصنّف ضمن “الدجل والشعوذة” أو “النصب تحت مسمى السحر”,
وتابع: القضاء المصري ينظر إلى ممارسات السحر والدجل باعتبارها فعلاً يُمكن تصنيفه جنائيًا، لكن غالبًا تحت وصف “نصب – احتيال” عندما يكون هناك استيلاء على مال أو خداع للجمهور، ووجود هذه الأحكام يُعزّز المأخذ القانوني في أن الدعوى لا تُقام لمجرد “السحر” بحد ذاته، بل لفعل ينطوي على عناصر جريمة مثبتة (خداع، استيلاء، ترويج عبر وسائل).
ولفت إلى أن هذه السوابق تُعد مادة قوية لشرح بأن “السحر” يُعاقَب ليس لأنه سحر، بل لأنه يُستخدم وسيلة لتحقيق جريمة مقرَّرة قانوناً، ففي واقعة حدثت عام 2023، تمّ ضبط شخصين بتهمة النصب على المواطنين، بعد أن ادعيا القدرة على الأداء الروحاني عبر صفحات إلكترونية، وتمّت إحالتهما للمحاكمة بتهمة “النصب” وليس “السحر”.
وأردف: هناك واقعة حديثة خلال العام الحالي قضت محكمة القاهرة الاقتصادية علي متهم بالسجن سنتين وغرامة 100 ألف جنيه لارتكابه أعمال دجل وشعوذة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وعن رأيه في وجود مادة قانونية صريحة تجرم السحر قال: لا أرى ضرورة لإضافة مادة خاصة لتجريم السحر في القانون المصري؛ فالمشرّع يعاقب بالفعل علي الأفعال الضارة المرتبطة به عبر نصوص النصب والدجل والشعوذة. وتجريم السحر بذاته يفتقر للتحديد العلمي والقانوني، وقد يفتح بابًا للتوسع في التجريم خارج مبدأ الشرعية. الأفضل التركيز على تجريم السلوك الضار لا على الاعتقاد، وهو ما يحققه القانون القائم بكفاءة.
شهادات من الواقع
يحكي ح. ح من محافظة الجيزة تجربته مع الأعمال السحرية حيث قال: أنا واحد من الناس واحد صاحبي بيعاني من الأعمال والسحر من 7 سنين، مفيش شيخ ف مركزنا أو المراكز المجاورة غير لما روحت له، لحد ما وصل بيا الحال إني أدخل على كل المواقع واليوتيوب وأتعلم ازاي أتعامل مع الجن وازاي أحضره وأصرفه وازاي أخليه ينطق وآيات التعذيب وآيات الحرق مواضيع كتيرة وتعب أكتر”.
وتابع: أنا شفت بعيني حالات كتيرة معمولها أعمال سحرية، ورأيت بعيني المدفون منها في الجبل، حيث نقوم بحملة مع شيخ من القرية لتنظيف المقابر ورأينا أعمالا في الجبل تتمثل في ملابس داخلية لبعض الأشخاص وعظام مكتوب عليها طلاسم، وشعر بعض الناس وعرائس صغيرة، وأنا نفسي عانيت سنينًا طويلة من السحر والعمل”.

السحر موجود.. لكن لا يُعالج بالخرافة
من جانبه قال دكتور أسامة قابيل من علماء الأزهر الشريف إن السحر حقيقة شرعية، وقد تم وقد ذكرها في أكثر من موضع في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: “وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر”، مشددا شدد على أن الإسلام لا يبرر تعليق أي مصيبة تحل بالإنسان كالمرض والفقر وغيره على السحر أو المس.
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن بعض الناس يربطون كل ما يصيبهم من اكتئاب، اضطراب، أو حتى وفاة، بأنه “سحر مدفون” أو “عمل معمول في الجبل”، وهذا من الجهل الذي يفتح أبواب الشيطان والخرافة، ويزيد من المشكلة ويفتح الباب على مصراعيه للبعد عن الله سبحانه والأسباب الحقيقية.
وبين أن دفن الأعمال في المقابر أو الجبال أو تحت المنازل عن طريق جلب ملابس خاصة بالشخص أو خصلة من شعره وما شابه ذلك هو من أشهر طرق السحرة لإيذاء الناس، لكن لا يجوز للمسلم الذي يؤمن بالله إيمانا صادقا أن يتعامل مع الأمر بالعنف أو الذعر، بل يجب أن يلجأ للوسائل الشرعية: قراءة القرآن، الرقية، الدعاء، واليقين بأن لا شيء يقع إلا بإذن الله”، مستشهدا بالآية الكريمة “وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله”.
وأوضح أن المسّ الشيطاني قد يكون وارد الحدوث، لكنه لا يُثبت إلا برؤية شرعية واضحة، ومن مختصين، لا أن يتم القول بأن كل من أتى إليه اضطراب نفسي أو تصرف غريب قد يكون ناتج عن ضغوطات نقول إنه مس أو جن ونذهب به إلى المشايخ، مشيرًا إلى أن كثيرًا من ضحايا هذه المعتقدات في الأصل يعانون من من أمراض نفسية، ولم يجدوا من يحتويهم، وكثر من يطلقون على أنفسهم مشايخ وهم ليسوا بأهل دين ولا علم يزيدون المشكلة بشكل أكبر.
وعن الحل مع من يعتقد أنه مسحور أو يتصرف تصرف غريب قال: لا بد من التأكيد أولا أنه ليس كل تصرف غريب يعد سحرا، من الممكن أن يكون دواءه عند طبيب نفسي ليرى حالته، أما إذا لم يكن الحل عند الطبيب النفسي نلجأ للرقية الشرعية من القرآن الكريم، مثل قراءة سورة الفاتحة والبقرة والمعوذات، مع الحفاظ على الصلاة والذكر والدعاء.
وأضاف أن دور الأهل مهم جدا في هذا الأمر، لا بد أن يساندوه ويبعدوه عن تصديق عن دفن أعمال أو أنه مسحور حتى لا تتأثر حالته مع عدم اللجوء إلى دجال بحال من الأحوال، مع المداومة على الصلاة في أوقاتها.. وأضاف قائلا: العلاج الحقيقي في الدين بيكون بالهدوء، واليقين، والرجوع لله.
خاتمة
ورغم تنوع الآراء بين ما هو ديني ونفسي وقانوني، يبقى الأكيد أن السحر والمس قضايا تمس العقل والوجدان معًا، وتحتاج لتعامل واعٍ يجمع بين العلم والإيمان، وبين الوقاية والعلاج الصحيح، بعيدًا عن الخرافات والاستغلال.”

