أخبار

الفتوى في مواجهة التهجير القسري ودعم القضية الفلسطينية

كتب: مصطفى علي

في لحظة تاريخية فارقة تتكثف فيها المآسي الإنسانية على أرض فلسطين، وتتجدد محاولات فرض واقع قسري يهدد الوجود والهوية، برزت الفتوى بوصفها صوتًا شرعيًا وأخلاقيًا لا ينفصل عن الضمير الإنساني العالمي وفي هذا السياق، واصلت الندوة الدولية الثانية للأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم أعمالها لليوم الثاني على التوالي، بحضور واسع من علماء الشريعة، والخبراء، والمختصين من مختلف دول العالم، تحت عنوان: “الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة”، وبرعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.

الندوة لم تكتفِ بإدانة الجرائم الواقعة بحق الشعب الفلسطيني، بل سعت إلى بناء رؤية فقهية متكاملة تربط بين الحكم الشرعي والواجب الإنساني، وتضع أطرًا عملية للنصرة، تتجاوز الخطاب العاطفي إلى اجتهاد مؤسسي واعٍ بمتطلبات المرحلة.

الجلسة العلمية الخامسة: فلسطين بين الحكم الشرعي وواجب النصرة

تحت عنوان “الفتوى والقضية الفلسطينية: بين البيان الشرعي والواجب الإنساني”، انعقدت الجلسة العلمية الخامسة، لتشكل إحدى أبرز محطات الندوة، حيث ناقشت بعمق جريمة التهجير القسري، ودور الفتوى في مواجهتها، وحدود المسؤولية الشرعية والإنسانية تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة.

التهجير القسري… جريمة دولية وتطهير عرقي ممنهج

في مداخلة علمية لافتة، أكد الدكتور نجاح عثمان أبو العينين إسماعيل، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق – جامعة دمياط، أن التهجير القسري يُعد من أخطر الجرائم الدولية في واقعنا المعاصر، مشددًا على أنه ليس مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل هو صورة صريحة من صور التطهير العِرقي، تستهدف تغيير التركيبة السكانية للأراضي المحتلة، واقتلاع السكان الأصليين من جذورهم التاريخية والجغرافية.

وأوضح أن هذه الجريمة لا تمس عقيدة بعينها، بل تصطدم بجوهر كل الشرائع السماوية، التي جاءت لحفظ النفس، والأرض، والكرامة الإنسانية، معتبرًا أن الصمت عنها يُعد تقاعسًا أخلاقيًا قبل أن يكون إخلالًا شرعيًا.

دور الفتوى في مواجهة التهجير وحماية الأوطان

وفي بحثه المعنون “دَور الفتوى في مواجهة التهجير القسري والالتزام بواجبات حب الوطن”، شدد الدكتور نجاح إسماعيل على أن الدولة المصرية، بمؤسساتها السياسية والشعبية والدينية، وفي مقدمتها مؤسسة الرئاسة، والأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، تبذل جهودًا متواصلة لمواجهة مخططات التهجير القسري، بالتعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن الفتوى في هذا السياق لا تقتصر على بيان الحكم، بل تقوم بدور تعبوي وتوعوي، يرسخ معاني الثبات، والانتماء، وحب الوطن، باعتبارها قيمًا أصيلة في الفقه الإسلامي والتاريخ الحضاري للأمة. كما أوصى بضرورة تفعيل دور المؤسسات الدينية في توعية الشعوب بخطورة القضايا المصيرية، وتعزيز روح التضامن، والتضحية، واستعادة الحقوق المشروعة من المعتدين.

الفتوى والدعوة… علاقة تكامل لا انفصال

من جانبه، قدّم الدكتور إبراهيم أحمد محمود محمد، مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين الزقازيق، رؤية تحليلية عميقة حول العلاقة بين الفتوى والدعوة، مؤكدًا أنها ليست علاقة موازاة أو تكرار، بل علاقة تساند وتكامل.

وأوضح أن الفتوى تمنح الحكم الشرعي والشرعية الفقهية، بينما تتولى الدعوة مهمة بناء الوعي، وتحريك السلوك، وترجمة الحكم إلى موقف عملي في حياة الناس، مشيرًا إلى أن هذا التكامل يُنتج خطابًا دينيًا شاملًا، قادرًا على خدمة القضية الفلسطينية برؤية شرعية راشدة وبُعد إنساني متزن.

خطاب ديني شامل يخدم فلسطين

وفي بحثه المعنون “العلاقة بين الدعوة والفتوى في بيان الواجب الشرعي والواجب الإنساني تجاه القضية الفلسطينية”، أوضح الدكتور إبراهيم أن الفتوى تمثل الإطار المرجعي الذي يحدد الموقف الشرعي من العدوان والانتهاكات الواقعة على الشعب الفلسطيني، في حين تأتي الدعوة لتقوم بدور الشرح، والتفسير، والتقريب، والتأثير في وجدان الجماهير.

وأكد أن الدعوة تُفعِّل مضامين الفتوى عبر خطاب واعٍ، يعزز الشعور بالمسؤولية الجماعية، ويمنع اختزال القضية في ردود أفعال موسمية، داعيًا إلى خطاب ديني مستدام يُبقي فلسطين حاضرة في الوعي العام للأمة.

الزكاة… مسار شرعي مباشر لنصرة غزة

وفي محور تطبيقي بالغ الأهمية، تناول الدكتور أحمد عبد الباسط أحمد بدراوي، مدرس الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون تفهنا الأشراف (دقهلية)، سُبل النصرة المالية للقضية الفلسطينية من خلال الزكاة.

وأكد أن دفع الزكاة لإغاثة المنكوبين في غزة جائز شرعًا، استنادًا إلى القول الراجح الذي يُجيز نقل الزكاة إذا وُجدت المصلحة والحاجة الملحة، وذلك من سهمَي الفقراء وابن السبيل، فضلًا عن جواز استخدام أموال الزكاة في تحرير الأسرى تحت سهم “في الرقاب”.

الأضاحي والعقيقة… فقه الضرورة في زمن الحصار

كما أشار الدكتور بدراوي إلى أن دعم الفلسطينيين لا يقتصر على الزكاة فقط، بل يمتد إلى الأضاحي والعقيقة، موضحًا أن توزيع لحوم الأضاحي داخل قطاع غزة المحاصر جائز شرعًا، نظرًا لحالة الضرورة الإنسانية، التي تُجيز نقل الأضاحي إليهم، بل وذبحها وتوزيعها داخل القطاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى