أخبار

في يومها العالمي.. اللغة العربية هوية أمة وذاكرة حضارة

 

 

كتب: مصطفى علي

يحلّ اليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، حاملاً معه دعوة متجددة للتأمل في مكانة اللغة العربية، ليس فقط بوصفها أداة للتواصل أو وسيلة للتعبير، بل باعتبارها أحد أعمدة الهوية الحضارية، وركنًا أصيلًا في تشكيل الوعي الجمعي للأمة، ووعاءً جامعًا لتاريخها وثقافتها وقيمها الروحية والفكرية ففي زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية واللغوية، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار للغة العربية، والدفاع عن حضورها في التعليم والإعلام والخطاب العام، بوصفها لغة قادرة على الحياة والتجدد ومواكبة العصر.

اللغة العربية.. أكثر من وسيلة تواصل

اللغة العربية لم تكن يومًا مجرد أصوات تُنطق أو حروف تُكتب، بل شكّلت على مدار قرون طويلة الإطار الجامع لوجدان الأمة ووعيها، وحملت في مفرداتها وتراكيبها ملامح الشخصية العربية والإسلامية فهي لغة الجمال والبيان، ولغة الشعر والحكمة، ولغة الفكر والعلم، ووسيلة التعبير عن أدق المشاعر وأعمق المعاني، بأسلوب يجمع بين الدقة والبلاغة.

ومن خلال العربية، انتقلت القيم، وتشكّل الوعي، وحُفظت الذاكرة الجماعية للأمة، فكانت الجسر الذي يصل الأجيال المتعاقبة بتاريخها، ويمنحها شعور الانتماء والاستمرارية، ويجعلها قادرة على فهم ذاتها ومحيطها والعالم من حولها.

تشريف إلهي.. العربية لغة القرآن والعقيدة

اكتسبت اللغة العربية مكانة فريدة حين شرفها الله تعالى بأن جعلها لغة القرآن الكريم، فارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة الإسلامية، وبالتشريع، وبفهم الدين وأحكامه ومقاصده ولم يكن هذا الارتباط شكليًا أو عابرًا، بل جعل العربية حاملة للمعنى الديني، ووسيلة لفهم الوحي، ومنبعًا للتفسير والفقه وأصول الدين.

وعلى مدى القرون، تحولت العربية إلى وعاء جامع للعلوم والمعارف، فدُوّنت بها كتب التفسير والحديث والفقه، كما كُتبت بها مؤلفات الطب والفلك والفلسفة والرياضيات، وكانت اللسان المعبر عن الحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها.

مسؤولية مجتمعية تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند الإعلام

الاهتمام باللغة العربية لا يقتصر على المؤسسات التعليمية وحدها، بل هو مسؤولية مجتمعية شاملة، تبدأ من داخل الأسرة، حيث يتشكل اللسان الأول للطفل، وتُغرس بذور الانتماء اللغوي، ثم تتعزز في المدرسة من خلال تعليم واعٍ ومحبّب، وتترسخ في وسائل الإعلام والخطاب العام، حيث تصبح اللغة نموذجًا يُحتذى أو يُهمَل.

فاللغة السليمة تُنتج فكرًا سليمًا، وبقوة اللغة يقوى الوعي، ويتماسك الانتماء، وتزداد قدرة الفرد على التعبير عن ذاته وقضاياه ومجتمعه وحين تتراجع اللغة أو تُشوَّه، ينعكس ذلك مباشرة على مستوى التفكير، وعلى الثقة بالذات والهوية.

تشويه صورة العربية.. خطر صامت يهدد الأجيال

من أخطر ما يواجه اللغة العربية في العصر الحديث، ليس فقط الإهمال، بل تشويه صورتها في أذهان النشء، من خلال تصويرها على أنها لغة صعبة أو معقدة أو غير صالحة للعصر، أو التقليل من شأن معلميها، أو السخرية من استخدامها في الحياة اليومية.

هذا الخطاب السلبي لا يعبّر عن وعي أو وطنية، بل يزرع في نفوس الأجيال شعورًا بالاغتراب عن لغتهم، ويضعف ثقتهم في ثقافتهم وقيمهم، ويفصلهم تدريجيًا عن جذورهم الحضارية. فهجر اللغة أو ازدراؤها لا يُعدّ تقدمًا، بل خسارة للذات، وتفريطًا في أحد أهم مقومات الشخصية والهوية

لغة حية قادرة على مواكبة العصر

رغم التحديات، تمتلك اللغة العربية من الخصائص ما يجعلها قادرة على التفاعل مع العصر الحديث، فهي لغة غنية بالمفردات، مرنة في الاشتقاق، واسعة في الدلالة، وقادرة على استيعاب المصطلحات الحديثة والتطورات العلمية والتقنية، متى وُجد من يصونها ويطوّر آليات تعليمها واستخدامها.

والمشكلة لا تكمن في اللغة ذاتها، بل في طريقة تقديمها، وفي غياب الجهود الجادة لجعلها لغة حيّة في حياة الناس، قريبة من واقعهم، ومعبرة عن قضاياهم، ومواكبة لتحديات زمانهم، دون تفريط في أصالتها أو جمالها.

بين الاعتزاز والانفتاح.. لا تعارض بين العربية وتعلم اللغات

الاعتزاز باللغة العربية لا يعني الانغلاق على الذات، ولا رفض تعلم اللغات الأخرى، فالعالم اليوم قائم على التفاعل والتبادل المعرفي والثقافي غير أن التمكن من اللغة الأم يظل شرطًا أساسيًا لبناء شخصية متوازنة، قادرة على التعلم والإبداع والانفتاح دون ذوبان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى