كتبت :هبه فتحى
الإسكندرية، مدينة الفنون والإبداع، كانت عبر عقود طويلة تحتضن قاعات سينما تعد متنفسًا حقيقيًا لشعبها، حيث امتزجت الحياة اليومية للفنانين والجمهور، واستضافت هذه القاعات حفلات كبار نجوم الغناء والموسيقى مثل عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش ونجاة ومحمد رشدي ومحمد العزبي ومحرم فؤاد، الذين جسدوا روح الفن الراقي وجذبوا جماهير من مختلف الطبقات والأحياء. وفي هذه السينيمات، تعرف الجمهور على الأساطير الإغريقية مثل هرقل وفيدرا، وشاهدوا مغامرات بحارة السفينة الأرجوانية، وتجربة الحروب العالمية والتاريخية، لتصبح هذه القاعات جزءًا من ذاكرة المدينة الحية، شاهدة على تحول المجتمع وثقافته عبر العقود.
ظل السكندريون يتذكرون ذكرياتهم في سينما رويال الواقعة في طريق الحرية أمام مسرح سيد درويش، منطقة هادئة لا يزورها إلا رواد المسرح والسينما، حيث كانت أجواء السنين الذهبية مليئة بالحياة والأنغام. بينما كانت سينما الهمبرا، إحدى منارات الفن في قلب محطة الرمل، تستقبل الجماهير من كل أنحاء المدينة، مقدمة عروضًا موسيقية وفنية راقية، حيث قدمت أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ حفلاتهم الأسطورية، وكانت تلك الأمسيات مزيجًا من الفن والموسيقى والذكريات الجميلة. لكن مع مرور الوقت اجتاح الإهمال المكان، وسقطت الأسقف دون ترميم، لتتحول لاحقًا إلى موقع مهجور تعيش فيه الفئران والثعابين، محولة محطة الرمل من مركز فني نابض إلى ذكرى باهتة منذ إغلاق الهمبرا عام 1986.
وفي نفس المنطقة، شهدت سينما راديو التي شُيدت عام 1940، والتي سميت تيمناً ببداية الإذاعة، مرحلة مماثلة، حيث استولت شركات المقاولات على مكانها بزعم التطوير، بينما تحولت سينما اوديون إلى قاعة لحفلات الزفاف، رغم بعض محاولات التطوير التي لم تتمكن من إنقاذها من جمهور محدود حقق خسائر كبيرة لصاحبها. أما سينما القوات المسلحة، التي شُيدت عام 1960 بالأنفوشي، فقد أصبحت مسرح أبو السعود الإبياري لتقديم عروضها الصيفية، محافظة على روح الفن رغم تغير الزمن.
وفي الإبراهيمية، كانت سينما الريفيرا، التي شُيدت عام 1958، صرحًا شهيرًا يضم أربع قاعات، تجمع بين المتعة السينمائية والجمهور المتنوع، لكنها هدمت لاحقًا لتحل محلها قاعات أفراح، فيما واجهت سينما سبورتنج تحديات مماثلة بعدما حاول المنتج جمال التابعي تحويلها لدور عرض خاصة، لكنها هدمت وأقيم مكانها عمارة سكنية. كما شهدت مناطق الانفوشي والإسكندرية القديمة، حيث شُيدت سينما الأنفوشي عام 1927 ككازينو صيفي للمسارح الشهيرة، وسينما متروبوليتان عام 1943، تحول كلاهما إلى صالات أفراح أو عقارات، لتفقد المدينة جزءًا من تراثها السينمائي.
حتى السنيمات الشعبية لم تسلم من التغير، فسينما الهلال بحي مينا البصل، وسينما رمسيس وبلازا والحضرة والمنتزه والمعمورة وفلوريدا ومحرم بك والكراكون والجمهورية، جميعها هدمت أو تحولت إلى قاعات أفراح أو مجمعات سكنية، ليختفي جزء كبير من تاريخ السينما من الوجود المادي، بينما بقيت الذكريات حية في نفوس سكانها، محفورة في وجدان كل من شهد تلك الأيام.
ومن أعرق هذه القاعات، كانت سينما لاجتيه في شارع بيلوز بالإبراهيمية، التي شيدت عام 1953، صمدت حتى نهاية السبعينيات قبل أن يُغلقها صاحبها ويُبنى مكانها مول تجاري، لتبقى شاهدًا على زمن الفن الجميل الذي عاشه السكندريون عبر أجيال، شاهدة على روعة الفن والإبداع في المدينة.
هكذا تحولت قاعات السينما في الإسكندرية من أماكن نابضة بالحياة والجمهور، إلى أطلال.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم