د. سمر أبو الخير تكتب: حين يتحوّل احتفال رأس السنة إلى علاج لأطفال طيف التوحّد

في كل عام، ومع حلول رأس السنة الميلادية، تتبدّل ملامح المدن فجأة.. الأضواء تملأ الشرفات، الموسيقى تتسلّل من النوافذ، والناس يتبادلون التهاني على عجل كأنهم يلاحقون لحظة أمل أخيرة قبل أن يُسدل الستار على عام مضى.
وسط هذا المشهد الصاخب، يقف أطفال طيف التوحّد في العادة على الهامش؛ لا لأنهم لا يرغبون في الفرح، بل لأننا لم نتعلّم بعد كيف نُدخِلهم إلى المشهد دون أن نؤذي عالمهم الحسي الدقيق.
غير أن الحقيقة التي تغيب عن كثيرين أن هذه الاحتفالات نفسها، بكل ما تحمله من ألوان وأصوات وتفاعلات اجتماعية، يمكن أن تتحوّل من مصدر ضغط إلى أداة علاجية فعّالة، إذا أُحسن التعامل معها، فطفل طيف التوحّد لا يخاف الحدث في ذاته، بقدر ما يخاف المفاجأة وفقدان السيطرة وتدفّق المثيرات دفعة واحدة. وهنا تحديدًا تكمن الفكرة: أن نروّض اللحظة بدل أن نهرب منها.
تبدأ الحكاية قبل ليلة الاحتفال بوقت كافٍ، حين تجلس الأم أو الأب إلى جوار الطفل، لا ليحذّراه من الضجيج القادم، بل ليحكيا له قصة العام الجديد.
صور بسيطة، حكاية قصيرة، فيديو هادئ يشرح ماذا سيحدث، ومتى، ولماذا يفرح الناس، هكذا، تتحوّل رأس السنة من حدث غامض إلى قصة مفهومة، ومن صدمة محتملة إلى تجربة متوقّعة، ومع كل تكرار، ينخفض القلق، ويحلّ الفضول محل الخوف.
أما مشاهد الاحتفالات وفلسفتها فينبغي إعادة النظر فيها، حتى لا يكون الهدف أن نلقي بالطفل في قلب الزحام، ولا أن نعزله خلف الأبواب المغلقة، ويكون الهدف أن نمنحه حق التجربة بجرعات إنسانية محسوبة، ضوء أخف، صوت أقل حدّة، مساحة آمنة يمكنه العودة إليها متى شعر بالإرهاق.
فضلاً عن دقائق من المشاركة قد تكون أثمن من ساعات من القلق القسري، في تلك الدقائق، يتعلّم الطفل أن العالم لا ينهار حين تتغيّر الإضاءة، وأن الأصوات يمكن احتمالها، وأن المشاركة الاجتماعية ليست دائمًا تهديدًا.
وسط الزينة والألعاب، تتسلّل مهارات صغيرة لكنها عميقة الأثر، كلمة تهنئة، ابتسامة مترددة، مصافحة سريعة، انتظار الدور في لعبة بسيطة، هذه التفاصيل التي يراها الآخرون عادية، تمثّل لأطفال طيف التوحّد إنجازات حقيقية، لأنهم يتعلّمونها في سياق حيّ، لا في غرفة علاج صامتة.
هنا، يتحوّل الاحتفال إلى درس حياة، وتتحوّل اللحظة الاجتماعية إلى تدريب عملي على الاندماج.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاحتفالات، بل في نظرتنا إليها فحين نقرّر مسبقًا أن الطفل “لا يحتمل”، فنحن لا نحميه بقدر ما نحرمه من فرص التعلّم وحين نُصرّ على إشراكه دون تهيئة أو تعديل، فنحن نؤذيه باسم الدمج.
الطريق الوسط هو الأكثر إنسانية: دمج واعٍ، وتدرّج ذكي، واحترام لاختلاف الإيقاع الحسي.
هنا يأتي دور المجتمع والإعلام، لا بوصفهما ناقلين للصور الاحتفالية فقط، بل كصانعي وعي، فحين تُطرح فكرة الاحتفالات الصديقة لأطفال طيف التوحّد، وحين يُشرح للأسر أن الفرح يمكن تصميمه، لا فرضه، تتغيّر قواعد اللعبة، يصبح الاحتفال مساحة مشتركة، لا اختبارًا قاسيًا.
في نهاية المطاف، رأس السنة ليست مجرد لحظة عدٍّ تنازلي أو ألعاب نارية تملأ السماء، إنها فرصة لإعادة التفكير في معنى المشاركة، وفي حق كل طفل، أيًا كان اختلافه، أن يكون جزءًا من المشهد وحين نرى طفلًا من أطفال طيف التوحّد يشارك، ولو بصمت، ولو لدقائق، ندرك أن العلاج الحقيقي لا يحدث فقط داخل الجلسات المتخصصة، بل في قلب الحياة نفسها.
