الإفتاء توضح: الإسراء والمعراج بين المشروع والمستحب

تقرير: مصطفى علي
مع اقتراب السابع والعشرين من شهر رجب، تتصاعد التساؤلات بين المسلمين حول حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وما إذا كان الالتزام بهذا التاريخ مشروعًا أم يُعد بدعة. وفي الوقت الذي يرفض فيه بعض الأشخاص الاحتفال بحجة أن الإسراء لم يحدث في هذا اليوم
أكدت دار الإفتاء المصرية أن الاحتفال بهذه الذكرى أمر مشروع ومستحب شرعًا، لما فيه من تعظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفرح بمناقبته وفضائله.
تبديد الشائعات حول بدعة الاحتفال
ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية جاء فيه: “ما حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب؟ حيث يزعم بعض الناس أن الإسراء لم يحدث في ذلك الوقت وأن ذلك بدعة، أفيدونا أفادكم الله.”
وجاء رد الإفتاء واضحًا، مفصّلًا: المشهور والمعتمد من أقوال العلماء، سلفًا وخلفًا، أن الإسراء والمعراج وقع في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب الأصم، وأن الاحتفال بهذه الذكرى بما يشمل الطاعات والعبادات والقربات أمر مشروع ومستحب، فرحًا بالنبي وتعظيمًا لجنابه الشريف.
وأضافت الإفتاء أن الأقوال التي تحرّم الاحتفال بهذا الحدث “فاسدة وآراء كاسدة لم يُسبق مبتدعوها إليها، ولا يجوز الأخذ بها أو التعويل عليها”.
وقت وقوع الإسراء والمعراج: التاريخ والآراء الفقهية
اجتهاد العلماء وتوثيق الروايات
شهد تحديد تاريخ الإسراء والمعراج بعض الاختلاف بين الفقهاء، إلا أن جمهور العلماء رجّح ليلة السابع والعشرين من رجب. فقد ذكر الحافظ السيوطي في كتابه “الآية الكبرى في شرح قصة الإسراء” أكثر من خمسة عشر رأيًا حول وقت وقوع الإسراء، وكان أشهرها أنه حدث في شهر رجب قبل الهجرة بعام ونصف، نقلاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
وأكد الإمام ابن عطية الأندلسي في “المحرر الوجيز”، والإمامان ابن قتيبة وابن عبد البر المالكي، والحافظ القسطلاني، والعلامة الدياربكري على وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب، مؤكدين أن هذا التاريخ هو المرجح شرعًا.
تحديد ليلة السابع والعشرين: إجماع عملي
لم يقتصر الأمر على النصوص، بل اعتمدت الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً على الاحتفال بهذه الذكرى في ليلة السابع والعشرين من رجب فقد نقل الحافظ ابن الجوزي في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم”، والحافظ أبو حامد الغزالي في “إحياء علوم الدين”، والحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في “الوفا بتعريف فضائل المصطفى” هذا التاريخ، مؤكدين أن الاحتفال بهذه الليلة هو أمر مشروع مستمر عبر العصور.
ومن المحققين الذين جزموا بهذا التاريخ أيضًا: الإمامان الرافعي والنووي في “روضة الطالبين وعمدة المفتين”، إضافة إلى الحافظ عبد الغني المقدسي والعلامة إسماعيل البروسوي، الذين أكدوا أن العمل بالاحتفال بهذه الليلة هو ما اتفق عليه المسلمون في مختلف الأمصار والأعصار.
الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج: مشروع ومستحب
أكدت دار الإفتاء أن إحياء ذكرى الإسراء والمعراج بالعبادات والطاعات المختلفة أمر مرغوب فيه شرعًا، لما فيه من تعظيم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار الفرح بمناقبته وكرامته.
الأعمال الصالحة المندوبة في الليلة
الصلاة وإطالة الليل بالقيام: من أبرز الأعمال المستحبة في هذه الليلة، تأدية الصلوات التطوعية وقيام الليل تعظيمًا لفضلها العظيم.
قراءة القرآن: الاعتناء بقراءة القرآن والتدبر في آياته من الوسائل التي تقرب العبد إلى الله في هذه الليلة المباركة.
الدعاء والتضرع: الإكثار من الدعاء سواء لنفس الإنسان أو للآخرين، لما في هذه الليلة من فضل مضاعف للأعمال الصالحة.
الصدقة والإحسان: تعد من القربات التي يُستحب الإكثار منها في هذه الليلة، تعبيرًا عن الشكر لله وللرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد أشار العلامة ابن الحاج المالكي في “المدخل” إلى أن السلف كانوا يعظمون ليلة السابع والعشرين من رجب بإطالة القيام، والبكاء، والتضرع، امتثالًا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مستفيدين من فضائل هذه الليلة التي خصها الله بزيادة أجر الصلوات، إذ جعل فيها الصلوات الخمس بخمسين إلى سبعمائة ضعف لمن يشاء الله
الأدلة على استحباب الاحتفال
تواتر الأعمال بين المسلمين
من أقوى الأدلة على استحباب الاحتفال بهذه الليلة، تواتر السلف الصالح على إحياء ذكرى الإسراء والمعراج بشتى أنواع الطاعات، كما نقل العلامة اللكنوي في كتابه “الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة”، مبينًا أن المسلمين في الحرمين الشريفين وغيرهما يحرصون على إحياء هذه الذكرى ويجتمعون في المدينة للعبادة والذكر.
قبول العمل المتوارث
كما أشار العلامة محمد أبو زهرة في كتابه “خاتم النبيين” إلى أن ما تلقيه الأمة بالقبول عبر العصور، ولو لم يثبت بالدليل القطعي، فهو دليل عملي على استحبابه، وأن رفض الاحتفال بهذا التاريخ لم يكن له أصل بين العلماء، بل جاء لاحقًا كآراء فاسدة لا تُعتمد.


