
حوار: مروة محي الدين
عبر تاريخها الطويل، كانت مصر رمانة ميزان الوطن العربي، وقت انفلات عقده، وبيدها كانت تجمع حبه المنثور وتعيد لملمة شتاته؛ فيما لم تكن تجارب تأريخ دورها على قدر الإنصاف، الذي يحق حقها في ذلك، فظلت بحاجة إلى ذلك القلم الذي يدون تاريخها، فيبقيه سجلا للأجيال القادمة.
ومن هنا بحث المفكر اللبناني “فيصل جلول” و الإعلامي “سامي كليب” عن تدوين شهادة، تتناول مصر وتاريخها وثقافتها، وتجارب العرب والأجانب معها، عبر حوار مفتوح يشارك فيه نخبة من الكتاب البارزين، وقادة الرأي، وإن لم يقابل أحد منهم الآخر، لكن يجمعهم قاسم مشترك، أن كل منهم يحكي مصر في رسالة، جمعاها وأطلقا عليها اسم “الرسائل المصرية”.
وفي حوار خاص لموقع اليوم، روى “جلول” قصة تجربتين خاضهما للتدوين عن مصر، بين كتابه “مصر بعيون الفرنسيس” و “الرسائل المصرية”، حيث يصف تحربة تاريخية لغير العرب في الأول، فيما يصفها العرب بعيونهم في الثاني.
بين المكانة والرسالة

يقول الكاتب: نشرت “مصر بعيون الفرنسيس” عام 2007، وقد اعتبرته المخرجة السنيمائية “إيناس الدغيدي”- في هذا الوقت- أهم كتب العام، وفيه نظرت للوطن العربي خلال القرن العشرين، عقب طي صفحة الدولة العثمانية أو السلطنة العثمانية، حينئذ كان يحتاج إلى قطب يقف إلى جانبه أو يقوده، لتكون مصر هي ذلك القائد.
وقد عني الكتاب بإلقاء الضوء على العناصر التأسسية التي وضعها الفرنسيون في الثقافة المصرية، ومنها انتقلت إلى العالم العربي، فكانت المرة الأولى التي يتحدث فيها كتاب، عن دور “رفاعة رافع الطهطاوي”، وبعثته إلى باريس، ونتائجها، والدور الذي لعبته لإلقاء الضوء على أهمية الثقافة الفرنسية، وما يمكن أن يؤخذ منها وما يمكن أن يرفض، إذ كان لدى “الطهطاوي” اعتزاز بثقافة بلده، وموقع بلده، ما شجعه على القول بأن هذا مفيد لنا وهذا غير مفيد، وذلك في حين أننا لا نجد اليوم من يمكنه أن يتحدث عن هذا الأمر بهذه الطريقة، فنجد كتاب اليوم يتحدثون عن الغرب، بتبني كامل لما يأتي منه دون تمييز.
وموقع الصدارة المصري ليس غريباً، ففي القرون الوسطى، تمكنت مصر من إنقاذ العرب والمسلمين من الإبادة الجماعية مرتين، الأولى: أنقذت العرب والمسلمين من الإبادة الصليبية؛ والثانية: في مواجهة المغول وتمكنت من القضاء عليهم، وأنقذت العرب والمسلمين من الإبادة.
وبالمثل كانت حاضرة في مرحلة ما بعد الدولة العثمانية، فكان لها دورها الحاسم في تحرير عدد من الدول العربية من الاستعمار، مثل دورها في: تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، وتحرير جنوب اليمن من الاستعمار البريطاني بعد استعمار دام 132 عاماً، وتمكنت من طرد الاستعمار من الخليج العربي، ومن عدد من الدول العربية.
وبالإضافة إلى ذلك، نشرت مصر في العالم العربي الأفكار الحديثة، وساعدت دول عربية عديدة على تأسيس القضاء والإعلام، وكذلك كان الدور الريادي للفن المصري موجود في العالم العربي، وما زال حتى اليوم، فنجد المطرب يبدأ حياته الفنية بتقليد عبد الحليم حافظ، والمطربة تبدأ بالغناء لأم كلثوم، ثم تنتقل بعد ذلك إلى شخصيتها الخاصة، وحتى على صعيد الرياضة، كان العالم العربي ينقسم بين فريقي الأهلي والزمالك.
في فترة ما بعد طي الدولة العثمانية، كان دورها المركزي حقيق بتسليط الأضواء الكاشفة عليه، لذا بدأت في كتاب “مصر بعيون الفرنسيس” بالتركيز على أهمية الحملة الفرنسية على مصر، في تغيير أشياء كثيرة في مصر والعالم العربي، فعلى الرغم من أنها حملة استعمارية، فتحت عيون المصريين والعرب والمسلمين عموما، على تطور كبير في موازين القوى العالمية.
ومن مصر، بدأت الثقافة السياسية العربية، وفيها تكونت الإيديولوجيات الحديثة وانتشرت بالعالم العربي، من الماركسية إلى الليبرالية… وغيرها، والمصريون هم من بدأوا بنشر حرية الرأي والتعبير، وفي مصر كانت صناعة الرأي العام في العالم العربي، وكانت الأهرام الجريدة الأولى في كل الوطن العربي، وعليه استحق هذا الدور إلقاء الضوء عليه، ليعرف القارئ ماذا حدث؟ وكيف؟ وماذا يمكن أن يحدث؟
وبالطبع أهم ما ظهر في الكتاب هو حالة الاستشراق، لدى الفرنسيين الذين تحدثوا عن مصرى، ذلك أن الحملة الفرنسية على مصر، لم تكن تهدف إلى إدخال مصر في الحداثة، أو تطويرها أو إعلاء شأنها، إنما استهدفت إنشاء مستعمرة فرنسية على طريق الهند، لقطع الطريق على المصالح البريطانية، والبعثة الفكرية والثقافية الكبيرة، التي رافقت الحملة كان الغرض منها خدمة الجنود الفرنسيين، مثلما كان مطلوبًا من الأطباء الذين رافقوها أن يكافحوا الأمراض، التي يتعرض لها جنود الحملة العسكرية، وكذلك كلّف بعضهم بأدوار في اكتشاف العادات والتقاليد المصرية، لكي يتجنبوا الاصطدام بالسكان.
وبالتالي كانت المصلحة الفرنسية المباشرة هي هدف الحملة، ومصالحها على طريق الهند، الذي يمثل ساحة للمنافسة بين بريطانيا وفرنسيا، وبالطبع تركت الحملة أثرها على البيئة الثقافية المصرية، وهي السبب في سلوك القادة المصريين الذين جاءوا عقب “محمد علي”، الذي كان صاحب قرار إرسال بعثة “الطهطاوي” إلى فرنسا، ومن ثم طغت النظرة الاستشراقية عليهم.
الرسائل المصرية

يتابع “جلول” حديثه عن ميلاد “الرسائل المصرية”، فيقول: بعد عمل مستمر لثلاث سنوات، خرج هذا الكتاب للنور، حاملًا عنوانًا فرعيا: “24 كاتبا عربيا يروون أدوار المحروسة في تأهيل عرب القرن العشرين”، وهو حلقة من سلسلة كتب، نشرتها وشريكي فيه “سامي كليب”، بدأت بكتاب “باريس كما يراها العرب”، ثم “الرسائل الدمشقية”، و”الرسائل المغربية، وقبله “الرسائل الفلسطينية”، ثم “الرسائل الخليجية”، ثم “الرسائل اللبنانية”، والآن جاء هذا الكتاب، ليكون جزء من مشروع للكتب الجماعية، التي تتصل بالعالم العربي، وهذا العام هو عام مصر.
وجاء موعد صدوره هذا العام، لأن كلانا يعمل بطريقة تطوعية، فنصدر الكتاب حينما ننتهي منه مباشرة، ومتى توفرت لنا ظروف إصداره، فلا نؤجل لتوقيت بعيد، وذلك يرتبط بقدرتنا التقنية على تجميع عدد من الكتاب، الذين يهتمون بمصر، أو يروا دورها الحاسم في العالم العربي؛ كما لابد أن أشير أيضا إلى أننا امتنعنا عن إشراك كتاب من نفس البلد، في الكتاب الذي يتم إعداده، فمثلا منعنا مشاركة الكتاب المصريين في الكتاب عن مصر، وبالمثل في باقي الكتب، سعيًا لأن يرى القارئ المصري بلاده بعيون المثقفين والكتاب العرب والخبراء العرب.
وقد استوحينا الفكرة من الفيلسوف الفرنسي الشهير “مونتسكيو”، مؤلف كتاب “الرسائل الفرنسية”، الذي ابتكر فيه شخصيتين فارسيتين من خياله، لكي يتحدث من خلالهما عن الواقع الفرنسي، ونظر بعيون الفرس للصراع بين الملكية والجمهورية، ومن هنا اعتمدنا هذه التقنية للنظر إلى مصر، والدول العربية التي نعمل عليها، بعيون عربية أخرى، وليست عيون أصحاب البلد.
حيث أنه الآن تختلف الظروف المحيطة بمصر عنها في القرن العشرين، فعلى الرغم من أن الدور المصري مازال حاسمًا قي الوطن العربي، كان دورها قديمًا أكثر حساسية، إذ أن عرب القرن العشرين كانوا بحاجة إلى منة أساسية للدخول في العالم الحديث، وبما أن مصر كانت هي السباقة، وموقعها هو الموقع الحاسم في العالم العربي، اضطلعت بهذا الدور.
ومن ثم، لم يقتصر وجودها على: الأدوار الثقافية، أو أدوار القضاء، أو الإعلام، أو الفن؛ بل انسحب دورها على تأسيس البنية التحتية في عدد من البلاد، وعلى سبيل المثال: العراق، حينما خاض الحرب ضد إيران، كان هناك خمس ملايين مصري في العراق، ولدينا في الرسائل المصرية شهادة من كاتب وروائي عراقي، يروي تفاصيل حياة المصريين في العراق، ويروي كيف أنهم فوجئوا بوجود الزعفران في المطبخ العراقي بكثرة، كما يتحدث عن أنه بواسطتهم تمكن العراق من تدعيم بناه التحتية خلال الحرب، وتمكن من الصمود لفترة طويلة.
وبالمثل نرى دور العمالة المصرية في الخليج، الذي لا يقتصر على الجامعات ومجالس القضاء والإعلام، إنما ينسحب على تعمير الخليج، سواء من خلال: شركات الهندسة المصرية، أو العمالة المصرية المباشرة، أو على صعيد الإدارات، هناك إدارات في الخليج كانت تقريبا معتمدة بنسبة 80% على العمالة المصرية، ومن هنا كان لابد من إلقاء الضوء على هذا الدور.
كما لم نتطرق للواقع الحالي في الكتاب، حيث اختلفت الظروف اختلافًا كبيرًا، وبذلك اكتفينا بالقرن العشرين القرن، ولعل كتابا ثانيًا يصدر يكون محوره الحديث عن الأدوار المصرية في الألفية الثالثة.
شهود العصر

وكشف “جلول” عن صفحات من شهادات المفكرين، الذين ضم شهاداتهم الكتاب، فقال: في هذا الكتاب، نسرد شهادة الرئيس اليمني الأسبق “علي ناصر محمد”، ويروي فيها كيف أهلت مصر أربع رؤساء جمهورية في اليمن، ودربت رئيسين للجمهورية في دورة صاعقة، وهم: “علي سالم البيض، وعلي ناصر محمد”، للقتال ضد المستعمر البريطاني، وأهلت رئيسين آخرين هما: “قحطان الشعبي وسالم أمين في القضايا الدبلوماسية”.
ويروي هذا الرئيس في الكتاب، كيف جاء أول وفد يمني إلى القاهرة، وكان الدبلوماسيون المصريون يعلمونهم نوع الجمل، التي يجب أن تقال في أروقة الدبلوماسية، ونوع القضايا التي يجب أن تطرح؛ فكانت شهادة الرجل في الكتاب عن مصر رائعة.
شهادة أخرى وردت في الكتاب، من سفير سوداني سابق، تحدث فيها عن معنى الأخوة المصرية السودانية، كما لم يرويها أحد من قبل؛ وكذلك جاء في هذا الكتاب شهادة دبلوماسي مغربي في الأمم المتحدة، عن الاسكندرية كما لم يقرأها أحد من قبل لدينا؛ ومن ضمن شهود الكتاب، صحفية لبنانية عملت في الوقت ذاته كابتن طيار، وهي تعيش في القاهرة الآن، وتعمل في إحدى القنوات الفضائية، وتروي كيف أنها تغيرت تماما، مع زيارتها مرتين خان الخليلي.
ولدينا رواية عن “سطوحي”، المعروف باسم سيدي “أحمد البدوي” في طنطا، وقد كتبت عن طنطا وأهميتها في الحركة السوفية المصرية والعربية، وكيف أن هذه المدينة تمكنت من الجمع بين سيدي “أحمد البداوي”، وبين مثقفين مصريين حدثيين، مثل “حامد نصر أبو زيد”.
يضم الكتاب شهادات متنوعة، 24 شهادة مختلفة، ما يبين القيمة الكبيرة لمصر ودورها، التي من بينهما شهادة كاتب جزائري يعيش في الجرائر، عن أهمية الدور المصري في تحرير الجزائر، وكاتب مغربي تحدث في رسالته عن العلاقات المصرية المغربية، خلال مئتي عام، وبالتالي أهمية مصر في المغرب الأقصى، كما يضم نص يمني قديم خلال الحملة الفرنسية على مصر، كتبه مؤرخ يمني في حينه، مثله مثل “الجبرتي”، ولدينا كاتب يتحدث عن يومياته في القاهرة، وهو الأستاذ “سامي كليب”، رفيقي في الإشراف على هذا الكتاب.
ويتقسم الكتاب إلى ثلاث أقسام: القسم الأهم فيه: هو شهادات حول الأدوار المصرية في كل أنحاء العالم العربي، ومن بينها سلطنة عمان، والبحرين والخليج ولبنان وسوريا والجزائر والمغرب؛ والقسم الثاني يتعلق بالحملة الفرنسية على مصر، وقد ترجمت فيه نص لاختصاصي فرنسي بالحملات البونابرتية، وهناك نقاش لهذا النص؛ كما أن لدينا حديث عن أربع مدن مصرية أساسية، من ضمنها مدينة الغردقة وهي مدينة سياحية، كتبت هذه الشهادة صحفية جزائرية تعيش في مصر منذ سبع سنوات، وهي تزور الغردقة سنويا، وصارت تعرف الغردقة أكثر من المصريين أنفسهم.
بعض التاريخ
واسترسل “جلول” في الحديث عن صفحات التاريخ، التي يرويها كتابه، فقال: الهدف الأساسي للكتاب، تسليط الضوء على العالم العربي الذي صنعته مصر، ما يعد نوعًا من التأريخ المباشر أو التأريخ اليومي في بعض المواقع، لكنه في الوقت ذاته ليس كتابًا للتاريخ، وإنما كتاب يحوي بعض التاريخ؛ كما أنه ليس كتاب جيوبوليتك- الجغرافيا السياسية، وإنما يشتمل على بعض الجيوبوليتك؛ وليس بكتاب مسرح وسينما وفن، وإنما بعض الفن والمسرح والسينما؛ والقاعدة الأساسية فيه هي الشهادة، وهي العنصر الحاسم في صياغته، وبالمثل لم تكن لغته لغة بحث أكاديمي، وإنما بعض لغة البحث الأكاديمي، ليصل بسهولة لجمهور متنوع واسع غير متخصص، على المستويين المصري والعربي.


