أخبارتقارير-و-تحقيقات

لا وقت بلا قيمة.. الأزهر يضع الزمن في ميزان المسؤولية الشرعية

 

تقرير:مصطفى علي

في إطار رسالته التوعوية والفكرية المستمرة، عقد الجامع الأزهر الشريف لقاءه الأسبوعي ضمن فعاليات ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: «أهمية الوقت رؤية إسلامية»، في جلسة علمية وفكرية عكست عمق التصور الإسلامي لقيمة الزمن، ودوره في بناء الإنسان والمجتمع، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الفراغ وإهدار العمر.

الملتقى شهد حضور نخبة من علماء الأزهر، يتقدمهم فضيلة الأستاذ الدكتور محمود الصاوي، وكيل كليتي الإعلام والدعوة السابق بجامعة الأزهر، وفضيلة الدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالقاهرة، فيما أدار اللقاء الإعلامي وسام البحيري، وسط حضور نوعي من طلاب العلم ورواد الجامع الأزهر.

الزمن في ميزان القرآن: قسم إلهي ودلالة كبرى

في مستهل كلمته، أكد الدكتور ربيع الغفير أن الوقت في التصور الإسلامي ليس مجرد إطار زمني محايد، بل هو نعمة عظيمة وقيمة مركزية، وهو ما يتجلى بوضوح في القرآن الكريم، حيث أقسم الله سبحانه وتعالى بالزمن في مواضع متعددة، الأمر الذي يعكس علو مكانته وأهميته في حياة الإنسان.

وأوضح أن تسمية عدد من سور القرآن بأسماء متعلقة بالزمان، مثل الفجر، والضحى، والليل، ليست مجرد دلالة لغوية، بل تحمل رسالة إيمانية عميقة، مفادها أن الزمن شاهد على أفعال الإنسان، ووعاء لعمله، ومجال لامتحانه في الطاعة والعمران.

تعاقب الليل والنهار: مدرسة قرآنية في الانضباط والنظام

وأشار الغفير إلى أن القرآن الكريم قدّم تصورًا متكاملًا للزمن من خلال ظاهرة تعاقب الليل والنهار، باعتبارها نموذجًا إلهيًا بالغ الدقة في التنظيم والانضباط، ودعوة مفتوحة للإنسان إلى التأمل والشكر وحسن التدبير.

واستشهد بقوله تعالى:
﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا﴾،
مبينًا أن هذا التتابع الدقيق لا يعرف خللًا ولا اضطرابًا، فلا تسبق الشمس القمر، ولا يطغى الليل على النهار، في مشهد كوني يرسخ معنى النظام، ويؤكد أن الزمن ليس عبثًا، بل أداة إلهية لتقويم حياة الإنسان.

«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس»: تحذير نبوي من خسارة العمر

وانتقل الدكتور ربيع الغفير إلى السنة النبوية، مؤكدًا أن النبي ﷺ وضع الوقت في صدارة النعم المهدرة، حين قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، موضحًا أن الغبن هنا ليس فقدان النعمة، بل سوء استثمارها، وهو ما يجعل الإنسان خاسرًا وإن امتلك الزمن بين يديه.

واستشهد بقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي»، معتبرًا أن هذا الأثر يجسد وعي الجيل الأول بقيمة اللحظة، وخوفهم من أن يمر الوقت دون إضافة حقيقية في ميزان العمل الصالح.

سؤال العمر يوم القيامة: الوقت مسؤولية لا مهرب منها

وأكد الغفير أن خطورة الوقت تتجلى بوضوح في المساءلة الأخروية، مستشهدًا بحديث رسول الله ﷺ:
«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».

وأوضح أن تقديم السؤال عن العمر في هذا الحديث دليل قاطع على أن الزمن ليس ملكًا خالصًا للإنسان، بل هو أمانة سيُسأل عنها، وأن التفريط فيه تفريط في أعظم رأس مال وهبه الله لعباده.

أزمة الوعي بالوقت: قراءة في واقع المسلمين المعاصر

من جانبه، ركز الدكتور محمود الصاوي على البعد الواقعي للقضية، مؤكدًا أن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها المجتمع ليست في قلة الوقت، وإنما في غياب الوعي بقيمته الحقيقية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من مظاهر التخلف والتراجع تعود إلى سوء إدارة الزمن وإهداره في ما لا ينفع.

وأوضح أن القرآن الكريم حين أقسم بالزمان، إنما أراد أن يلفت الأنظار إلى أن الوقت مورد مادي ومعنوي في آن واحد، لا يقل أهمية عن المال أو الصحة، بل يفوقهما أثرًا إذا أحسن الإنسان استثماره

الصلاة والوقت: مدرسة إلهية في الانضباط

وأشار الصاوي إلى أن من أعظم صور تعظيم الوقت في الإسلام ربط العبادات بالزمن، وفي مقدمتها الصلاة، التي حُددت بأوقات دقيقة لا يجوز تجاوزها، لافتًا إلى أن هذا الارتباط ليس مجرد تكليف تعبدي، بل هو منهج تربوي يعلّم المسلم الانضباط، والالتزام، واحترام المواعيد.

وأكد أن قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ يمثل قاعدة قرآنية جامعة في إدارة الوقت، حيث لا يعترف الإسلام بمفهوم الفراغ السلبي، بل يدعو إلى الانتقال من عمل إلى عمل، ومن مهمة إلى أخرى، في دورة حياة متصلة لا تعرف البطالة الروحية أو العقلية.

لا فراغ في تاريخ المسلم: كل لحظة لها وظيفة

وشدد الصاوي على أن التاريخ الإسلامي لم يعرف مفهوم «الوقت الضائع»، موضحًا أن حتى أوقات الراحة في المنظور الإسلامي لها غاية، تتمثل في استعادة النشاط لمواصلة العمل والعطاء، وليس الانسحاب من دائرة الإنتاج.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى