
حوار: مروة محي الدين
الشهادة في حق مصر لا تكفيها سطور، إذ تتعدد مناحي الحديث عنها، بين التاريخ القديم والحديث، وتتشعب الرؤى حولها، بين الفن والجمال، والأصالة والتأثير، ومن هنا كانت الحلقة الثانية من حوار المفكر اللبناني “فيصل جلول” لموقع اليوم، ليكمل الحديث عن “الرسائل المصرية”، في موعد مع عيون جديدة تصف جزءًا من التاريخ المصري.
مصر بين رؤيتين

يواصل “جلول” حديثه عن أقسام الرسائل، حول الشهادات عن محطات التاريخ المصري، فيقول: أحد أقسام الكتاب اخترنا أن يسرد شهادات تاريخية، دون نقد أو جدال، حفاظًا على قيمته التاريخية، فيجد فيه القارئ ثلاثة نصوص وثائقية لما حدث، أحدها فرنسية والثانية يمنية والثالثة عن الحملة الفرنسية، وتأثيرها على أنود البريطانيين، ذلك أنه في الحملة الفرنسية كان الصراع بين فرنسا وبريطانيا، على مصر، وكانت الطرف الثالث في هذا الصراع هو الدولة العثمانية، وتركنا الحكم على قيمة النص للقارئ.
وفي هذا الصدد نؤكد على أن كل رؤية تحمل هويتها، فالرؤية الغربية تبقى رؤية غربية، والرؤية المصرية هي رؤية مصرية، وفإذا ما نظرنا للأمور من هذه الزاوية، لن تنخدع برؤية الأخر عنك، لأنه يمثل رؤيته هو وليس أنت، وهنا أقول إن المثقف المصري أو المؤرخ سينظر لتلك النصوص، التي نشرناها عن الحملة الفرنسية، من موقعه المصري ومصالحه وقواعد تفكيره، وليس من موقع المستشرق البريطاني او المستشرق الفرنسي، حيث تقتصر رؤية الكتاب على التوثيق، أما الحكم فللقارئ.
وثمة قسم آخر في الكتاب، يتعلق بالحركة الصوفية والدور الصوفي المصري، وعلاقته بالجزائر والمغرب العربي، بما يكشف روابط ما كنا نعرفها أو لم يعرفها الرأي العام من قبل، وقد أضفنا إليها النص الذي كتبته عن طنطا، وعن سيدي “أحمد البدوي” أو “السطوحي” كما درج الحديث عنه، وعن أهمية تلك المدينة، ودورها في الحركة الصوفية، بما يرتفع بأهمية هذا القسم، بينما يترك تقييمه إلى الخبراء المصريين، المتخصصين في ذلك المجال، إذ أننا قلنا ما نستطيع قوله.
وعلى الرغم من اختلاف فكرة الكتابين، الذين نشرتهما عن مصر، لكن الجامع بينهما هو اهتمامي بهذا البلد العريق؛ في الكتاب الأول “مصر بعيون الفرنسيس” تأثرت بنقاشات مع مثقفين مصريين، كانوا يعيشون في باريس، وذلك حتى منذ كنت طالبًا بجامعة السربون، حيث درست مع طلاب مصريين كانوا يدرسون فيها أنذاك، وأصبحوا الآن يشغلون مراكز مهمة فيها، كان منهم على سبيل المثال: الأستاذ “ضياء رشوان”- الذي كان يشغل منصب نقيب الصحفيين، والكاتب المفكر المصري “نبيل عبدالفتاح”- الباحث في مركز الاهرام للدراسات الإستراتيجية، والدكتورة “هالة مصطفى”- رئيسة تحرير مجلة الديمقراطية، وأعتقد أنها تعمل أيضًا في مركز الأهرام، كل هؤلاء كانت لهم معي نقاشات أثرت على تناولي للكتاب.
السردية العربية للذات
يتابع “جلول” حديثه عن سردية الكتاب، فيقول: تمثل “الرسائل المصرية” إعادة صياغة للسردية العربية للذات، ويمكننا أن نقول هنا أن تلك السردية كما لو كانت تقف على رأسها، فأعدنا تقف على قدميها في الكتاب، كما يقول “هيجل”، وهو جهد نقدمه يستحق النقاش، إذ لا نقدمه باعتباره مسلمات لا تخضع للجدل، بل هو كتاب مطروح للنقاش والتقييم، يجد فيه القارئ المصري كل شكل ولون، مثله مثل تنوع القراء الذين سيقرأونه، فقد تجد فيه نصًا عميقا جدا، ثم تجد نصًا آخر انطباعيًا من النصوص اليومية.
كما اعتمدنا في كتبنا عن الرسائل، أسلوب مبادرة جديد، بفتح الباب للكتاب مبتدئين، لم تصدر لهم كتب من قبل، ليطلوا على جمهور عريض وواسع من خلال الكتاب، كان في الرسائل المصرية نصيبًا لأربعة منهم، ومن هنا يجد القارئي تنوعا يصل درجة التفاوت بين نصوص الكتاب، وفي المعالجات، لكنه تفاوت يشبه الجمهور، ويشبه حقول البحث والمعرفة التي يتناولها، فنجد نص لعاشقة لبنانية للسينما المصرية والفن، تتحدث عن تجربتها الخاصة في هذا المجال، حينما كانت صغيرة السن، وبالتالي تكون الخبرة في هذا النص مختلفة ومتفاوتة عن الخبرة في غيره، وعليه فهو تفاوت لا يضير الكتاب.
وعلى جانب آخر، جعل هذا التفاوت الكتاب جامعًا، لعدد من العلوم والمناهج بين طياته: فيجمع الجغرافيا السياسية- الجيوبوليتك، وعلم الاجتماع- السوسيولوجي، وغيرها من العلوم؛ وفي إطار المناهج العلمية، يجد الباحث عدة مناهج، فعلى سبيل المثال: الباحث عن المناهج لن يجد المنهج التفكيكي في نص واحد، إنما قد يجده في عدة نصوص، ولن يجد المنهج البنيوي في نص واحد، بل يجده في لفتة هنا أوهناك، فهذا الكتاب- وفقا لرؤيتنا- يشبه الرأي العام، وهي صناعة ليست سهله أن تستهدف الرأي العام العربي.
رسالة عن مصر

أجمل “جلول” رسالة الكتاب في قوله: كان الهدف الأساسي لهذا الكتاب، هو إعطاء ما ينبغي إعطاؤه من حق لمصر في العالم العربي، إذ لم تُعطى مصر حقها، الذي ينبغي لها في العالم العربي، وهذا أمر في غاية الأهمية، فقد يعتبر الخليجي أن ما فعله المصريون أمر عادي، يمكن أن يفعله أي شخص آخر، لكن هذا ليس صحيحًا، فما فعله المصريون في الخليج هو “حياة”، وبالمثل ما فعلوه في الجزائر والمغرب وكل مكان في العالم العربي، فقد غيروا فيها الحياة، فنقلوها من فترة الدولة العثمانية، التي تركت خرابًا، إلى مكانة آخرى تماما، وهو أمر يعرفه المتخصصون، بينما لا يعرفه الرأي العام، لذا نقوله في الكتاب، لننقله إلى عيون الرأي العام العربي.
وحتى الرأي العام المصري، رغبة منا أن نفتح عيون المصريين على الأدوار، التي يمكن أن تلعبها بلادهم في العالم العربي، وعلى سبيل المثال: إذا تعرض العرب لأزمة، من يمكن أن يحميهم سوى الجيش المصري، الجيش الوحيد الموجود في المنطقة، فالعالم العربي اليوم 450 مليون نسمة، أكتر من 120 مليون منهم مصريين، وما تبقى منه مفتت هنا 5 ملايين وهناك 10 أو 20، وجميعهم غير متفاهمين مع البعض، وهناك دولة عربية واحدة هي مصر، تستطيع تغيير العالم العربي الآن كما غيرته من قبل، فالأمر يعود للمصريين، وهم وحدهم من يقرر، هل يغيروه كما سبق، أم يتركونه كما هو باعتبار أن ما يحدث مسأله طبيعية.
وعلى الرغم من أنني ورفيقي في الإشراف على الكتاب “سامي كليب”، لم نتناول في الكتاب إلا مصر في القرن العشرين، يبقى في ذهننا مشروع تناول مصر ودورها في الألفية الثالثة، كما في ذهننا أن نكمل سلسلة الرسائل، التي لم نحدد بعد عن أي بلد عربي ستكون، ربما تكون الرسائل القادمة هي العراقية أو الجزائريةِ حسب ما يتوفر لدينا من معلومات، كما أنني مهموم بإلقاء نظرة نقدية على ثقافتنا السياسية العربية، خلال القرن العشرين، ومحاولة غرس ثقافة سياسية جديدة، حيث أهتم بنقض التفكير التبعي، ولعل نقض الاستشراق أحد الأفكار التي أعمل عليها، عملًا على تأسيس ثقافة سياسية عربية جديدة، تكون واقعية، ربما تكمل ما بدأه إدوارد سعيد في كتابه عن الاستشراق، وعبد الوهاب المسيري وغيرهم.
إن انتهى حوار المفكر اللبناني عن الدور المصري، لكن الدور المصري في الوطن العربي لم ينته، بل يبقى شاهدًا على التحولات الفارقة فيه، بانتظار تلك الأقلام التي تنبري لتسجل حق شقيقة كبرى، هي رمانة ميزان المنطقة بأكملها، مثلما فعلت “الرسائل المصرية”.




