
تقرير: سمر صفي الدين
تطرح استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية 2026 رؤية جديدة تقلص التدخلات الخارجية، وتعزز دور الحلفاء، مع إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية من الشرق الأوسط إلى آسيا والمحيطين الهندي والهادئ.
وتكشف الاستراتيجية عن تحول جوهري في مقاربة واشنطن للأمن العالمي، عبر إعادة تعريف التهديدات وترتيب الأولويات العسكرية والسياسية بما ينسجم مع فلسفة “أمريكا أولًا”.
كما تعكس الوثيقة الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاعون) منح أولوية واضحة للأمن الداخلي، مع تقليص الانخراط الخارجي ومطالبة الحلفاء بتحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن أنفسهم.
وتقدم الاستراتيجية، الواردة في وثيقة من نحو 34 صفحة، تصورًا محدثًا لدور القوات الأمريكية يركز على حماية المصالح الحيوية دون الانزلاق إلى حروب طويلة أو التزامات مفتوحة.
تحول استراتيجي
تشير الوثيقة، الصادرة بعد أزمة مع حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي بشأن غرينلاند، إلى أن هذا التحول يأتي استجابة لتغير طبيعة التهديدات وتزايد المنافسة الدولية.
وتؤكد الاستراتيجية أن الشرق الأوسط لا يزال يشهد حالة عدم استقرار مستمرة، نتيجة تصرفات دول وجهات غير حكومية تهدد المصالح الأمريكية وأمن الشركاء وحرية الملاحة الدولية.
وتوضح الوثيقة أن الهدف الأمريكي يتمثل في حماية المصالح الحيوية وضمان أمن الشركاء دون التورط في صراعات عسكرية طويلة الأمد أو إدارة نزاعات مفتوحة.
كما تشدد الاستراتيجية على الاعتماد المتزايد على الشركاء الإقليميين باعتبارهم خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات، بما يقلل الحاجة إلى انتشار عسكري أمريكي دائم وواسع.
مواجهة عابرة للأطلسي.. أوروبا تتحرك في “غرينلاند” لردع طموحات ترامب
إعادة صياغة الدور العسكري
تلفت الوثيقة إلى أن القوات الأمريكية ستعيد تركيز مهامها على الدفاع عن الأراضي الأمريكية والمحيطين الهندي والهادئ، مع تقديم دعم عسكري محدود للحلفاء.
وتقارن الاستراتيجية الجديدة بنهج إدارة جو بايدن، التي اعتبرت الصين التحدي الأكبر وروسيا تهديدًا خطيرًا، بينما تعتمد الوثيقة الحالية لهجة أكثر اعتدالًا تجاه بكين وموسكو.
وتدعو الاستراتيجية إلى علاقات قائمة على الاحترام مع الصين دون الإشارة إلى تايوان، فيما تصف التهديد الروسي بأنه مستمر لكنه قابل للاحتواء.
كما تؤكد الوثيقة أن الأولوية الراهنة تتركز على إغلاق الحدود الأمريكية وصد أي تهديد مباشر، في تحول واضح نحو تركيز داخلي أكبر.
إيران في قلب الاستراتيجية
في هذا السياق، تبرز الوثيقة أن النهج الأمريكي يركز على إدارة المخاطر واحتواء الأزمات بدل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بالقوة العسكرية.
وتصف الاستراتيجية إيران بأنها المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي، بسبب برامج الصواريخ الباليستية والطموحات النووية ودعم الجماعات المسلحة الحليفة لها.
وتلتزم الولايات المتحدة بردع أي عدوان إيراني والدفاع عن قواتها وشركائها، مع السعي المستمر لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
كما تؤكد الاستراتيجية أن سياسة الردع تجاه إيران ستعتمد على الشراكات الإقليمية والقدرات المشتركة بدل الانتشار العسكري الأمريكي الواسع.
إسرائيل والتعاون الدفاعي
على صعيد آخر، تعتبر الاستراتيجية إسرائيل شريكًا استراتيجيًا أساسيًا وركيزة محورية للأمن في الشرق الأوسط.
وتشدد الوثيقة على التزام واشنطن بضمان أمن إسرائيل والحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في مواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة.
كما تشمل مجالات التعاون الدفاعي الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريبات العسكرية المشتركة وتطوير القدرات الدفاعية المتقدمة.
وترى الاستراتيجية أن حماية إسرائيل، خصوصًا من التهديدات الصاروخية. تمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة الردع الإقليمي الشامل.
عقيدة مونرو وأمريكا اللاتينية
بالتوازي، تضع الاستراتيجية أمريكا اللاتينية في صدارة الأولويات. مؤكدة السعي إلى إعادة ترسيخ الهيمنة العسكرية الأمريكية في القارة.
وتوضح الوثيقة أن هذا التوجه يهدف إلى حماية الوطن وتأمين الوصول إلى مناطق استراتيجية حيوية. في ما وصفه مراقبون بإحياء عملي لعقيدة “مونرو”.
وتربط الاستراتيجية هذا النهج بعمليات عسكرية وأمنية نفذتها القوات الأمريكية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، بذريعة مكافحة تهريب المخدرات.
كما تشير إلى سعي واشنطن لضمان الوصول العسكري والتجاري إلى مواقع استراتيجية مثل قناة بنما وغرينلاند.
“مونرو” وضرب مثلثات الشيطان.. ماذا نعرف عن أخطر عقيدة أمريكية؟
تحولات آسيوية وكورية
على مستوى آسيا، تتوقع الوثيقة نقل جزء أكبر من المسؤولية الدفاعية إلى كوريا الجنوبية لردع تهديدات كوريا الشمالية.
وتوضح الاستراتيجية أن الدور الأمريكي سيقتصر على دعم حيوي محدود. بما يسمح بتوجيه الموارد لمواجهة تحديات أوسع مثل تايوان والنفوذ العسكري الصيني.
وتفرض الوثيقة هذا الميزان الجديد للمسؤوليات رغم التحفظات السابقة من سيول. في إطار إعادة توزيع الأعباء الدفاعية.
وجود عسكري مرن
تشير الاستراتيجية إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ومناطق أخرى سيكون مرنًا وقابلًا للتقليص أو التعزيز حسب الأزمات.
وتؤكد الوثيقة أن هذا الوجود لن يعتمد على قواعد وانتشار دائم واسع. بل على الجاهزية السريعة والقدرة على الردع والاستجابة الفورية.
وتعكس الاستراتيجية في مجملها توجهًا أمريكيًا جديدًا يسعى إلى إعادة ضبط الدور العالمي للولايات المتحدة. مع تحميل الحلفاء مسؤوليات أكبر في منظومة الأمن المشترك.



