رئيس جامعة الأزهر: منهج الأشعري حصن الأمة من التطرف وسفك الدماء

كتب:مصطفى علي
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، أن الأزهر الشريف قام منذ تأسيسه على منهج راسخ من الوسطية والاعتدال، جعل من نبذ التعصب، وقبول الاختلاف، واحترام التنوع الفكري والعقدي، قاعدة أصيلة في بنيانه العلمي والدعوي.
وأوضح أن هذا المنهج لم يكن شعارًا نظريًا، بل ممارسة تعليمية وتربوية عاشها أبناء الأزهر جيلاً بعد جيل، وترسخت في وجدانهم منذ اللحظات الأولى لانخراطهم في التعليم الأزهري.
وشدد رئيس جامعة الأزهر على أن هذا النهج الوسطي يمثل الضمانة الحقيقية لصيانة الدين من التحريف، وحماية المجتمعات من الانقسام والغلو، باعتباره الامتداد الطبيعي للفهم الصحيح للإسلام، القائم على الجمع لا الإقصاء، والرحمة لا الصدام، والتعايش لا الصراع، مؤكدًا أن الإسلام في جوهره رسالة احتواء وسعة، لا أداة تفريق وتناحر.
الإمام الأشعري ومنهج الاحتواء
وخلال كلمته بالمنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري، أوضح رئيس جامعة الأزهر أن الإمام أبا الحسن الأشعري رحمه الله عبّر عن هذه الحقيقة الجامعة في عبارته الشهيرة التي تؤسس لمنهج فكري متوازن، حين قال إن الناس بعد نبيهم ﷺ اختلفوا في أشياء كثيرة، وضلّل بعضهم بعضًا، وبدّع بعضهم بعضًا، فصاروا فرقًا وأحزابًا متباينين، «إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم».
وبيّن أن هذه العبارة ليست مجرد توصيف تاريخي للخلافات، بل تمثل جوهر المنهج الأشعري الذي يرى أن ما يجمع الأمة من أصول الإيمان وثوابته الكبرى أعظم وأبقى من كل ما يفرقها من خلافات فرعية أو اجتهادية. وأضاف أن الإسلام ظل وسيظل الإطار الجامع والملاذ الحاني الذي تأوي إليه الأمة، وبه أعزها الله تعالى، ورفع شأنها، ووحّد صفوفها، ومنحهـا القدرة على تجاوز الخلاف دون أن تفقد هويتها أو تتنكر لتراثها
من الخلاف الفكري إلى العنف المسلح: خطر التكفير في الواقع المعاصر
وتطرق رئيس جامعة الأزهر إلى الواقع المعاصر، محذرًا من ظهور فئات لا تعترف بالآخر، ولا تقبل الاختلاف، وتبادر إلى التفسيق والتكفير لكل من يخالفها في الرأي أو المنهج، مؤكدًا أن هذا المسار انتهى في كثير من الأحيان إلى حمل السلاح وقتل المسلمين بعضهم بعضًا باسم الدين.
وتساءل رئيس الجامعة عن موقف هؤلاء من الحديث النبوي الشريف: «مَن حمل علينا السلاح فليس منا»، مؤكدًا أن القتل باسم الإسلام يمثل انحرافًا خطيرًا عن مقاصده الكبرى وروحه السمحة، ويشوّه صورته أمام العالم، ويحوّل الدين من رسالة هداية إلى أداة هدم وصراع.
وأوضح أن المنتدى الأشعري يقدّم خطابًا مغايرًا لهذا النهج الإقصائي، خطابًا يرفع صوت العقل والحوار، ويدعو جميع الفرق الإسلامية إلى الالتقاء على كلمة سواء، والانطلاق من المشتركات الكبرى، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾،
مبينًا أن الدعوة إلى الحوار تنطلق من يقين راسخ بأن ما يجمع الأمة أكثر بكثير مما يفرقها
وأكد رئيس جامعة الأزهر أن الحوار هو منطق العقول الراشدة التي تبحث عن الصواب والسداد في أجواء يسودها الإنصاف والعدل، بعيدًا عن الضجيج والتشويش الذي يطمس الحقائق، مشيرًا إلى أن الله تعالى دعا إلى التدبر الهادئ، لا الانسياق وراء الأصوات العالية أو الحشود الصاخبة، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
وأوضح أن موقع الحوار من الدعوة الإسلامية كموقع الرأس من الجسد؛ فلا تستقيم الدعوة بدونه، ولا يثمر العمل الإسلامي إذا غاب عنه الحوار الحضاري القائم على العدل والإنصاف، لا على فرض الرأي الواحد أو إقصاء الآخرين.
وأضاف أن رأي الجماعة مهما تعددت داخله الاجتهادات لا تشقى به البلاد، بينما يشقيها رأي الفرد حين ينفرد ويستبد ويقصي غيره.
وأعرب رئيس جامعة الأزهر عن ثقته في أن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت كلمتها وتجاوزت خلافاتها، فإن وحدتها كفيلة بأن تعيد لها الريادة والكلمة العليا واليد العليا، في عالم لم يعد يحتمل مزيدًا من التمزق والانقسام.
وأشاد بالجهود الكبيرة التي يبذلها فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في ملف الحوار الإسلامي الإسلامي، الهادف إلى جمع كلمة الأمة، ولمّ شملها، وتوحيد صفها، حتى تستعيد عافيتها وعزتها وكرامتها، وتغسل عن وجهها المشرق أدران الفرقة والضعف، وتعود أمة واحدة كما أراد الله لها، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.




