المنهج الأشعري في مواجهة التكفير: علماء العالم يجتمعون بالأزهر

كتب: مصطفى علي
في مشهد علمي وفكري يعكس عمق الدور التاريخي للأزهر الشريف ومكانته العالمية في قضايا العقيدة والفكر الإسلامي، انعقدت الجلسة العلمية الأولى للمنتدى العلمي الدولي الأول لمركز الإمام الأشعري بالأزهر، اليوم الثلاثاء، بمركز الأزهر للمؤتمرات، بمشاركة نخبة من كبار العلماء والباحثين من مصر والمغرب وسوريا والولايات المتحدة الأمريكية، في تأكيد واضح على البعد الدولي للمنتدى، وعلى مركزية المنهج الأشعري بوصفه أحد أهم الضمانات العلمية والأخلاقية لحفظ وحدة الأمة الإسلامية عبر القرون.
وجاءت الجلسة تحت عنوان: «الإمام الأشعري ومقارباته الفكرية للفرق الإسلامية: من الخلاف العقدي إلى أفق الحوار وإرساء الوسطية»، لتفتح ملفًا بالغ الحساسية في الواقع الإسلامي المعاصر، وهو ملف الخلاف العقدي، وكيفية إدارته بعيدًا عن منطق الإقصاء والتكفير، وبمنهج علمي رصين يجمع بين صيانة أصول الاعتقاد وترسيخ ثقافة الحوار واحترام التنوع داخل الإطار السني الجامع.
عباس شومان: المنهج الأشعري صمام أمان عقدي حفظ وحدة الأمة عبر التاريخ
أدار الجلسة فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، ورئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، الذي أكد في كلمته أن انعقاد هذا المنتدى يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما يشهده العالم الإسلامي من أزمات فكرية متراكمة، وخطابات متشددة أسهمت في توسيع دوائر الصراع والانقسام داخل الأمة.
وشدد شومان على أن المنهج الأشعري يمثل أحد أعمدة التوازن العقدي التي حفظت للأمة وحدتها عبر القرون، موضحًا أن هذا المنهج لم يكن يومًا سببًا في الانقسام، بل كان على العكس جسرًا علميًّا متينًا للتقريب بين المدارس الإسلامية المختلفة، ومنصة لفهم الخلاف وإدارته دون أن يتحول إلى صدام أو تكفير.
وأضاف أن الأزهر الشريف حين يفتح هذا الملف العلمي، فإنه ينطلق من مسؤوليته التاريخية في جمع الكلمة وترسيخ منهج الوسطية، وتقديم نموذج علمي للحوار القائم على الإنصاف والفهم العميق، مؤكدًا أن تجديد علم الكلام لا يعني التفريط في الثوابت العقدية، وإنما يعني توظيف المنهج الأصيل للإجابة عن أسئلة العصر ومواجهة التحديات الفكرية الراهنة.
الفكر الأشعري والفلسفة الأخلاقية للحوار العقدي
من جانبه، قدّم الأستاذ الدكتور سمير بودينار، مدير مركز الحكماء لبحوث السلام بالمملكة المغربية، بحثًا بعنوان: «الحوار العقدي في ضوء الفلسفة الأخلاقية للإمام الأشعري: قراءة في سياق الأزمات الأخلاقية الراهنة»، تناول فيه البعد الأخلاقي العميق الذي تأسس عليه الفكر الأشعري منذ نشأته.
وأوضح بودينار أن الإمام الأشعري لم يكن مجرد مناظر جدلي يسعى إلى الانتصار لرأيه، بل كان صاحب مشروع أخلاقي متكامل لإدارة الخلاف العقدي، قائم على التجرد العلمي، واحترام المخالف، وتحمل المسؤولية الشرعية والإنسانية. وأكد أن الحقيقة العقدية في المنهج الأشعري لا تنفصل عن القيم الأخلاقية الحاكمة للاختلاف، وأن هذا البعد الأخلاقي هو ما تحتاجه الأمة اليوم في مواجهة اختلالات الخطاب الديني المعاصر.
وأشار إلى أن استدعاء هذا النموذج الأشعري في السياق الراهن يمثل ضرورة فكرية وأخلاقية لإعادة بناء الحوار العقدي على أساس وسطي يرفض التكفير والإقصاء، ويصون وحدة الأمة في مواجهة تحديات داخلية وخارجية متزايدة
وفي مداخلة علمية لافتة، استعرض الأستاذ الدكتور عبد الرحمن محمد المراكبي، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالمنوفية، بحثه المعنون: «التحول الفكري والتوازن المنهجي والمذهبي للإمام أبي الحسن الأشعري»، متناولًا المسار العلمي والفكري للإمام الأشعري منذ نشأته وحتى تحوله من مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة والجماعة.
وأكد المراكبي أن هذا التحول لم يكن خروجًا على إجماع الأمة، ولا ابتكارًا لمذهب جديد، وإنما كان عودة واعية ومدروسة إلى عقيدة السلف الصالح، بعد أن تبيّن للإمام الأشعري قصور المقولات الاعتزالية عن الإجابة عن الإشكالات العقدية الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالغيب وصفات الله تعالى.
وأوضح أن منهج الأشعري قام على تقديم الأدلة النقلية الصحيحة، وجعل العقل تابعًا وخادمًا لها، لا حاكمًا عليها، مع رفض منطق التكفير، والسعي إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن وحدة الفكر هي الأساس الحقيقي لوحدة الأمة.
الأزهر وحراسة المذهب الأشعري عبر القرون
بدوره، قدّم الأستاذ الدكتور محمود أحمد مصري، عضو الهيئة التدريسية بجامعة السلطان محمد، والمدير العام لدار المخطوطات بسوريا، بحثه المعنون: «التجديد المؤصل الأزهري في إحياء المذهب الأشعري»، سلّط فيه الضوء على الدور التاريخي للأزهر الشريف في حفظ أصول المذهب الأشعري، وتطويره داخل إطار الكتاب والسنة.
وأوضح مصري أن الأزهر أسّس منظومة معرفية متكاملة اعتمدت على المتون والمنظومات والشروح والحواشي، وأسهمت في بناء عقلية عقدية متوازنة لدى طلابه. وأبرز الدور الكبير الذي لعبته المنظومات الشعرية، وعلى رأسها «جوهرة التوحيد»، في ترسيخ المفاهيم العقدية وصقل التفكير المنطقي، إلى جانب الشروح الأزهرية التي ضبطت الفهم الكلامي وحمته من الانحراف.
وأكد أن الدور المركزي للأزهر اليوم يفرض عليه مواصلة هذه الرسالة التاريخية، في مواجهة محاولات التغريب، أو اختزال الدين في قراءات متشددة تهدد وحدة الأمة وتشوّه صورة الإسلام.
وفي سياق متصل، دافع الأستاذ الدكتور عبد الفتاح عبد الغني العواري، عميد كلية أصول الدين بالقاهرة الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، في بحثه المعنون: «منهجية الإمام الأشعري مع الفرق في القضايا العقدية… منطلقاتها وغاياتها»، عن بطلان الدعوى القائلة بأن الفكر الأشعري كان سببًا في نشأة المذهبية العقدية.
وأكد العواري أن الإمام الأشعري لم يبتدع مذهبًا من عنده، وإنما قرر مذهب السلف ودافع عنه بأسلوب علمي متزن، مشيرًا إلى دعوته الصريحة لتضييق دائرة التكفير وتوسيع دائرة الإيمان، مستشهدًا بقوله الشهير: «أشهد أني لا أكفّر أحدًا من أهل هذه القبلة».
وأوضح أن الجمع بين العقل والنقل في منهج الأشعري أسهم في إطفاء نيران الفتن العقدية، وكان سببًا رئيسًا في إقبال الأمة على المدرسة الأشعرية، لما اتسمت به من وسطية واعتدال وسلامة منهج.
إشكالية ترجمة المفاهيم الأشعرية إلى الغرب
ومن زاوية غربية معاصرة، ناقش الأستاذ الدكتور جوزيف كامينج، الأستاذ بمعهد فولر ومدير معهد وودبيري الثقافي بالولايات المتحدة الأمريكية، بحثًا حول «إشكالية ترجمة مفهوم صفات الذات في الفكر الأشعري إلى اللغات الأوروبية».
وأوضح كامينج أن ترجمة مصطلح ṣifāt إلى كلمة attributes حملت معها دلالات لاهوتية مسيحية سابقة، أسهمت في تشويه الفهم الغربي للتصور الأشعري، محذرًا من أن الترجمات غير الدقيقة قد تفضي إلى قراءة معتزلية للفكر الأشعري.
وأكد أن الإمام الأشعري قرر صفات الذات باعتبارها معاني قائمة بذات الله تعالى، لا مجرد أوصاف لفظية أو اعتبارات ذهنية، داعيًا إلى اعتماد ترجمات علمية أدق تعيد تقديم المذهب الأشعري في سياقه العقدي والمنهجي الصحيح.



