
تقرير: سمر صفي الدين
تعود منطقة تيغراي، شمالي إثيوبيا، إلى واجهة الصراع الإقليمي بعد تصعيد عسكري جديد بين الجيش الاتحادي وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي، في أول مواجهة واسعة منذ انتهاء الحرب الدامية بين عامي 2020 و2022.
الإقليم، الذي يمتلك أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة، ليس فقط بسبب موقعه الحدودي مع السودان وإريتريا، بل أيضًا لاحتياطياته الكبيرة من الذهب، ظل منذ عقود بؤرة توتر بين الأطراف الإثيوبية المختلفة، حيث تتقاطع فيه اعتبارات الهوية، والموارد، والنفوذ السياسي، ما يجعل كل اشتباك فيه مؤشرًا على هشاشة الدولة الفيدرالية الإثيوبية.
تصعيد عسكري وتعليق الرحلات
اندلعت المواجهات المسلحة في منطقة تسلمتي غرب تيغراي، وهي منطقة متنازع عليها مع إقليم أمهرة المجاور، بحسب مصادر دبلوماسية وأمنية.
وأفادت المصادر بأن الجيش الإثيوبي يقاتل إلى جانب ميليشيات من أمهرة، في مواجهات دارت منذ 26 يناير 2026، وسط مخاوف من تجدد الحرب الشاملة.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى الإقليم، في مؤشر يعكس القلق الرسمي من إمكانية تدهور الوضع الأمني وانتقال الاشتباكات إلى مناطق جديدة.
كما تسبق هذه المعارك اشتباكات محدودة شهدتها منطقة عفار في نوفمبر 2025، ما يعزز المخاوف من استئناف القتال بعد حرب خلفت ما لا يقل عن 600 ألف قتيل وفق تقديرات الاتحاد الإفريقي.

قراءة عسكرية للتصعيد
يرى اللواء محمد عبد الواحد، مستشار الأمن القومي وخبير العلاقات الدولية، أن التصعيد الحالي ليس مفاجئًا، بل نتيجة تراكم عوامل استراتيجية وسياسية وإنسانية مترابطة.
ويشير في حديثه لـ”اليوم” إلى أن هدف قوات التيغراي الأساسي هو استعادة المناطق الغربية والجنوبية التي فقدتها بعد حرب 2020–2022، والتي لا تزال محل نزاع هوياتي وإداري مع أمهرة.
ويضيف اللواء عبد الواحد أن هذه المناطق تمثل نقطة اشتعال مركزية. إذ يدّعي كل طرف حقًا تاريخيًا وديموغرافيًا فيها، بينما فشلت اتفاقية بريتوريا في معالجة هذه القضايا بشكل حاسم، ما جعلها أرضًا خصبة لتجدد الصراع.
النازحون والأبعاد الإنسانية
يؤكد الخبير العسكري أن الأزمة الإنسانية تمثل دافعًا رئيسيًا للتصعيد، إذ يعاني أكثر من 700 ألف نازح من تداعيات النزوح القسري، ويعيشون في مخيمات تفتقر إلى الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.
ويعتبر هذا الوضع بحسب اللواء عبد الواحد أحد الأسباب التي دفعت قيادة تيغراي لتحريك الملف العسكري. بهدف حماية السكان وإعادة السيطرة على أراضيهم. وهو ما يعكس الصراع على شرعية الحاضنة الشعبية للتيغراي في مواجهة سياسات الحكومة الاتحادية.
عبور نهر تكازي وأهمية والقايت
يولي اللواء عبد الواحد أهمية خاصة للجانب الجغرافي، مشيرًا إلى أن الاشتباكات ارتبطت بمحاولة قوات تيغراي عبور نهر تكازي. الذي يشكل خط فصل طبيعي بين مناطق الأمهرة والتيغراي.
ويؤكد أن السيطرة على والقايت ومناطق تسلمتي تشكل خطوة استراتيجية، حيث تفتح الطريق نحو الحدود السودانية. مما يتيح لإنشاء ممر لوجستي بديل يخفف من وطأة الحصار الاقتصادي والعسكري المفروض على الإقليم منذ سنوات، ويمنح قيادة تيغراي إمكانية الحصول على دعم خارجي ومعدات عسكرية.
استغلال الفرص السياسية
يضيف اللواء عبد الواحد أن القيادة في تيغراي تستثمر الضعف النسبي للحكومة الاتحادية بقيادة آبي أحمد. وتصدع تحالفه مع ميليشيات فانو في أمهرة، ما خلق فرصة لتحقيق مكاسب ميدانية سريعة.
ويعتبر هذا التوقيت، الذي يصادف انشغال المجتمع الدولي بأزمات كبرى مثل التوتر الأمريكي-الإيراني. عاملاً إضافيًا يقلل من احتمال تدخل فوري أو ضغط دبلوماسي على الحكومة الإثيوبية، ما يمنح تيغراي هامشًا أكبر للتحرك.
النفوذ الإقليمي والاعتبارات الجيوسياسية
يرى الخبير أن للصراع أبعادًا إقليمية، إذ تسعى قوى إقليمية للتمدد في القرن الإفريقي عبر دعم أو عرقلة الأطراف المتصارعة.
ويشير إلى محاولات إماراتية لإعادة ترتيب نفوذها في المنطقة بعد انسحاب بعض الميليشيات في اليمن. في وقت تحاول إسرائيل والإمارات تعزيز تواجدها في الممرات البحرية والحدودية لإثيوبيا.
ويضيف أن هذا الصراع قد يكون اختبارًا جديدًا للقدرة الإقليمية على إدارة النزاعات في القرن الإفريقي. وإعادة رسم موازين النفوذ المحلية والدولية.
مستقبل الاشتباكات
حتى الآن، لم يُستخدم الجيش الإثيوبي تفوقه الجوي بشكل واسع، وهو ما يراه مراقبون محاولة لاستدراج قوات تيغراي إلى أعماق مناطق متنازع عليها، لشن ضربات لاحقة، أو كخطة لصرف الحاضنة الشعبية عن التقدم العسكري للتيغراي.
ويشير اللواء عبد الواحد إلى أن الحكومة الإثيوبية تستخدم ملف النازحين كورقة ضغط سياسية. في سياسة وصفها بـ”الردع المزدوج” أو “الكي بالنار”، ما يخلق حالة من الضغط المستمر على تيغراي للتكيف مع الأزمة. مع الحفاظ على هيكل السلطة الاتحادية في مواجهة أي تحديات مستقبلية.



