
تابع كل مثقف عربي وكل مهموم بالوعي والمعرفة ما تم يوم الخميس الماضي الموافق 29 يناير 2026م، من تكريم مستحق ناله صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، بأعلى وسام ثقافي في البرتغال.
حيث منح مارسيلو ريبيلو دي سوزا رئيس جمهورية البرتغال، الشيخ القاسمي القلادة الكبرى لوسام *كامويش”، وهي لمن لا يعرفها أعلى وسام شرف ثقافي سيادي في البرتغال، يمنح لؤلائك الذين يسهمون بشكل استثنائي في نشر الوعي والمعرفة داخل وخارج حدود أقطارهم، بصورة تعزز قيمة الفكر والثقافة دون التقيد بحد جغرافي.
وهنا يبرز التميز في تكريم حاكم الشارقة كونه أول شخصية عربية تنال وسام كامويش، والسادس عالمياً فقط، ولذلك دلالات كثيرة تستوقف المثقف العربي خاصة، لعل أبرزها أن من يحملون لواء المعرفة يتم رصدهم وتقدير دورهم محليا وإقليميا وعالمياً، وأن هناك من يقدرون قيمة خطواتهم على طريق التنوير، حتى وإن ظن البعض أن أصداء ما يرونه لن يتسع مداها وأن المهمومين بالفكر والمعرفة ونشر الثقافة قلة، أو أن جهودهم ليست مقدرة، من أولئك الذين يحملون الهم ذاته، أو من يعنون ببسط يد الثقافة على وعي الشعوب.
جهود الدكتور سلطان القاسمي في مجال المعرفة والثقافة ليست حديثة، بل إنه ومنذ تخرجه من جامعة القاهرة عام 1971م، وتعيينه وزيرا للتربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة، كأول وزير التعليم في الدولة، حتى توليه الحكم في إمارة الشارقة عام 1972م، وهو يعي ما عليه من مسؤولية كبيرة تجاه العلم والمعرفة والثقافة في أمته العربية، وليس دولة الإمارات أو إمارة الشارقة فقط، وهنا مكمن ومناط التكريم الأخير الذي حظي به.
لم يكن هذا التكريم لمثقف عربي هو الأول ولن يكون الأخير، ففي عهد سلطان تُوجت الشارقة بلقب عاصمة الثقافة العربية في عام 1998م، من قِبل منظمة اليونسكو، تقديراً لجهودها في تعزيز الثقافة والفكر والتراث إقليميا ودوليا،
تبع ذلك تكريم الإمارة بلقب عاصمة الثقافة الإسلامية في العام 2014م، من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، نتيجة لجهود الشارقة في مجال الفكر في المجتمعات الإسلامية.
توجت الشارقة أيضا بلقب عاصمة السياحة العربية في العام 2015م، لمكانتها الرفيعة في منطقة الخليج العربي، كوجهة ثقافية وترفيهية تعي قيمة تقديم السياحة في قالب متمسك بالقيم والمبادئ العربية والإسلامية الأصيلة.
وحيث أننا نحتفل في مصر بالحدث الأجمل على الإطلاق وهو معرض القاهرة الدولي للكتاب، نشير إلى أن الشارقة قد منحت من منظمة اليونسكو لقب العاصمة العالمية للكتاب عام 2016م، وهي بذلك أصبحت أول مدينة في منطقة الخليج العربي تنال هذا اللقب عن استحقاق وجدارة.
التكريم في ظاهره لا يعدو كونه تقدير لرجل وعى قيمة الثقافة في بناء نهضة أمته، إلا أنه ألقى الضوء على جهود تتوج كل يوم بالتقدير والإشادة من كل أرباب الفكر ورواد الوعي وسدنة المعرفة، ويوضح أن الاستثمار في العقول لا يقل أبدا عن أي استثمار يعنى برفاهية الشعوب، وأنهما يسيران في اتجاه واحد بخطوط متوازية، وأن الأمم بحاجة إلى المعرفة كحاجتها إلى الغذاء.
“العلم لا يعرف وطناً ولا لوناً ولا شكلاً ولا لغةً، ونحن نُجلّ هذا العلم ونحترمه ونحترم أصحاب العلم ونحترم المتعلمين لأننا نعرف قيمة العلم”، كلمات قالها القاسمي تقديرا للعلم والمعرفة، تختصر الحديث عن ما سلطنا الضوء عليه من تكريم مستحق.
تحية إجلال وتقدير لهذا المثقف العربي المحب لمصر وشعبها، والذي لا يدخر جهدا في إبراز دور مصر الهام والرائد في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية، ولا يتوانى عن الإشادة بالفكر المصري ودوره وإسهاماته في بناء وعي المواطن العربي، ولا أدل على ذلك من قولته الشهيرة أثناء تكريمه في 2018م بدرع الشخصية المتميزة بجامعة القاهرة، كأحد أبرز خريجيها وداعميها، (اعتبروني واحداً منكم لأنني أنتمي لهذه الجامعة, فهي التي أسستني بالفكر الأكاديمي الصحيح، ومصر هي التي أمدتني بالثقافة).




