أخبارتقارير-و-تحقيقات

التحالفات العسكرية بالشرق الأوسط.. من يكتب مستقبل المنطقة؟

في 28 فبراير الماضي، أشعلت إسرائيل شرارة الحرب على إيران بقيادة أمريكا، فنفذت إيران تهديدها بتوسيع جبهة الحرب لتشمل كل موطأ قدم للأمريكيين في المنطقة وخاصة في الخليج العربي.

الدول الخليجية أكدت أنها ليست طرفا في الحرب على إيران، وطهران بدورها أكدت أنها لا تستهدف جيرانها، وإنما تقصف القواعد والمنشآت العسكرية والاستخباراتية التابعة لأمريكا وإسرائيل ودول أخرى أبرزها بريطانيا وفرنسا، ردا على القصف الأمريكي الإسرائيلي لأراضيها.

القصف الأمريكي الإسرائيلي لإيران تسبب في خسائر مادية هائلة إضافة إلى خسائر بشرية ومقتل قادة أبرزهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وفي المقابل، فإن القصف الإيراني أدخل ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ وتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة.

وبينما أظهرت الحرب تفوقا جويا هائلة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وقدرة واسعة على العمل في الأجواء الإيرانية، فإن الرد الإيراني تضمن استخدام قدرات صاروخية فرط صوتية غير مسبوقة بينها الصواريخ المزودة برؤوس حربية متعددة قادرة على الإفلات من جميع طبقات شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية والوصول إلى أهدافها.

كما أشارت تقارير وسائل إعلام عالمية إلى أن عددا من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية أصابت أهدافا عسكرية أمريكية بالغة الأهمية مثل منظومة رادار الإنذار المبكر الموجودة بقاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، التي يقدر ثمنها بمليار دولار، ورادار “إيه إن / تي بي واي – 2” في أبوظبي المصمم لرصد الصواريخ الباليستية في بداية مسارها، إضافة إلى خسائر متفاوتة في القواعد الأمريكية والغربية بالدول الخليجية.

ورغم التفوق الأمريكي في القوة البحرية، إلا أن اعتماد إيران على الصواريخ المضادة للسفن بعيدة المدى مكنها من استهداف سفينة حربية أمريكية خلال التزود بالوقود من سفينة أخرى في المحيط الهندي على بعد نحو 650 كيلومترا من سواحل إيران.

وكشف إغراق البحرية الأمريكية لسفينة حربية إيرانية في المياه الدولية بعد مشاركتها في مناورات بحرية بالهند، عن توسع نطاق الحرب وسعي أمريكي بلا هوادة للقضاء على قدرات إيران العسكرية في البر والبحر والجو.

خريطة التحالفات

قبل الحرب على إيران، كانت خريطة التحالفات المعلنة رسميا أو القائمة بحكم الأمر الواقع تشير إلى أن “أمريكا وإسرائيل” هما تحالف حرب صريح، بينما توجد علاقة تحالف بين واشنطن وعدة دول خليجية قائمة على استضافة تلك الدول لقواعد عسكرية أمريكية بها في إطار التعاون العسكري المشترك، الذي يهدف لحماية تلك الدول من إيران أو من أي تهديدات عسكرية أخرى.

وفي المقابل، كانت الجبهة الأخرى تشير إلى وجود تحالفات أو توافق مصالح بين إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، باعتبار أن جميعها تواجه تهديدا من عدو واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية.

محاكاة للحرب على إيران بالذكاء الاصطناعي
محاكاة للحرب على إيران بالذكاء الاصطناعي

ورغم قوة التحالفات الأمريكية الخليجية التي يعكسها حجم الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة، فإن استهداف إيران لتلك الدول وعجز واشنطن عن حمايتها يضع علامات استفهام عن جدوى وجودها وهل تخدمة مصلحة دول الخليج أم تؤمن مصالح واشنطن فقط.

ويعني ذلك أن الحرب على إيران، ربما تسببت في إضعاف التحالفات بين واشنطن والدول الخليجية أو على أقل تقدير ربما تدفع تلك الدول للبحث عن تحالفات بديلة أكثر موثوقية.

وفي المقابل، فإن هناك تحليلات تتحدث عن دعم متنامي لإيران من الصين وروسيا، الدولتان الرائدان في تقنيات الصواريخ الفرط صوتية، التي تستخدمها إيران.

تصور بالذكاء الاصطناعي للدعم الروسي الصيني لإيران
تصور بالذكاء الاصطناعي للدعم الروسي الصيني لإيران

هذه التحليلات تستند إلى تهديدات مشتركة، فسقوط إيران يعني اقتراب الأمريكيين من حدود الصين الشمالية الغربية التي تمثل عمقا استراتيجيا لجيشها فيما يتعلق بالقدرات الصاروخية والنووية، إضافة إلى أنه يمكن واشنطن من فرض حزام صاروخي حول الصين بداية من تايوان إلى إيران.

وتربط تحليلات بين دعم روسي محتمل لإيران وبين الحرب الأوكرانية، فصمود إيران في وجه واشنطن يمكن موسكو من تحقيق مكاسب على الجبهة الأوكرانية التي شهدت في الآونة الأخيرة تحذيرات من احتمال حصول كييف على أسلحة نووية بدعم غربي.

محاكاة للحرب على إيران
محاكاة للحرب على إيران

الاختيار الأخير

تشير تقارير إلى أن هناك دول خارج معادلة الحرب الحالية بصورة كلية أو جزئية، لكنها ستكون أهدافا مقبلة إذا سقطت إيران، لأن هذه الدول ستكون عقبة في وجه طموحات واشنطن وتل أبيب في السيطرة على المنطقة.

هذه الدول التي تمتلك أقوى جيوش المنطقة وأقوى اقتصاداتها هي تركيا ومصر والسعودية، إضافة إلى الدول الـ 4 وهي باكستان، القوة النووية، التي وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية.

ورغم وجود تجارب سابقة لمحاولات لم تنجح في تشكيل تحالفات عسكرية إقليمية بين دول المنطقة، إلا أن التحليلات العسكرية تقول إن تلك الدول لا تملك خيارات أخرى وأنه لم يعد أمامها سوى البحث عن حل لمواجهة تلك التهديدات.

محاكاة للحرب على إيران بالذكاء الاصطناعي
محاكاة للحرب على إيران بالذكاء الاصطناعي

الواقع يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ستعتبران أن خطوة لتشكيل تحالف إقليمي بمثابة إبحار عكس تيار الهيمنة الذي يستهدف المنطقة برمتها وسيعملان على إيقافه قبل أن يبدأ أو حتى مواجهته.

يعني ذلك أنه حتى إذا امتلكت تلك الدول إرادة لتشكيل تحالف عسكري رباعي، فإنه سيتحتم عليها إدراك أن ذلك يعني بداية مرحلة مواجهة مع واشنطن، وهي مواجهة صعبة إذا بدأت قبل سقوط إيران، وربما تكون مستحيلة إذا انتهت الحرب بانتصار أمريكا وإسرائيل.

رحيل أمريكا من المنطقة

ربما يكون الحديث عن هزيمة أضخم قوة عسكرية في العالم مجرد أحلام، لكن تجارب التاريخ تقول إن الإمبراطوريات تسقط بطريقة أو بأخرى عندما تصل إلى مرحلة “جنون القوة” التي يجعلها تضرب شرقا وغربا بلا معايير أخلاقية وربما بلا حسابات عسكرية دقيقة.

كان التوسع المستمر للإمبراطورية الرومانية من أبرز سقوطها عام 476 ميلادية، وهي أمور تشبه ما تقوم به واشنطن حاليا التي تضرب في فنزويلا وتهدد كوبا والمكسيك في أمريكا الجنوبية، وتطالب بضم غرينلاند من أوروبا، وتضع يدها على الشرق الأوسط وتحارب إيران لإسقاطها تمهيدا للوصول إلى الصين.

وفي القرن العشرين، تهاوت ألمانيا النازية بأطماعها التوسعية التي امتدت من أوروبا والاتحاد السوفيتي إلى شمال أفريقيا والمحيط الأطلنطي، كما كانت الحرب العالمية الثانية بداية انهيار الإمبراطورية البريطانية التي فقدت الهند عام 1947 ثم فشلت في السيطرة على مصر وقناة السويس خلال العدوان الثلاثي عام 1956.

وفي النهاية يبقى كل شيء مرهون بقدرة واشنطن على مواصلة الحرب لتركيع إيران رغم تكلفتها الاقتصادية الهائلة، أو صمود إيران وتحملها أهوال القصف والتدمير حتى يتخلى الأمريكيون عن طموحاتهم في المنطقة بصورة تغير ملامح التاريخ وحدود الجغرافيا.

قالت الدكتورة أماني الطويل، مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إن التحالفات الإقليمية القائمة قبل اندلاع الحرب الجارية يمكن أن تتعرض لـ “خلخلة كبيرة” في حال استمرار الصراع وتوسعه.

وقالت في تصريحات صحفية إن الدول الخليجية قد تفكر مستقبلا في أطر دفاعية أخرى تنسجم مع طبيعة المنطقة، مشيرة إلى أن ذلك سيعتمد على نتيجة الحرب الحالية.

وفي تصريحات صحفية، سابقة، قال المحلل السياسي البارز والمستشار في إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، إن الحرب الإيرانية تهدف إلى ترسيخ هيمنة إسرائيل إقليميا بدعم أمريكي لفرض نظام أمني أحادي تقوده إسرائيل.

ولفت إلى أن هذه الحرب أكدت أن أولويات واشنطن تضع أمن إسرائيل فوق مصالح حلفائها العرب، الذين انتقدوا ازدواجية في المعايير الأمريكية فيما يتعلق بقضايا المنطقة.

تحركات إسرائيل في المنطقة

لدى إسرائيل طموحات توسعية في المنطقة طالت سوريا ولبنان وإيران واليمن وإقليم أرض الصومال الانفصالي بصورة أزعجت دول المنطقة، التي أكدت رفضها تلك التحركات، كما أن بعض مسؤوليها أعلنوا صراحة أن تل أبيب ترى أن جيوش مصر وتركيا تمثل تهديدات مستقبلية لإسرائيل.

وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل، شن ضربات واسعة ضد إيران استهدفت عدة مناطق في البلاد، وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ ما وصفها بأكبر طلعة هجومية في تاريخ سلاح الجو، استهدفت وحدات صاروخية ومنظومات دفاع جوي تابعة للنظام الإيراني في مناطق غربي ووسط إيران، مشيرا إلى أن الهجوم شاركت فيه نحو 200 طائرة مقاتلة.

وأصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا أكدت فيه أن أمريكا وإسرائيل شنتا، هجمات على مواقع عسكرية ومدنية وبنية تحتية دفاعية في عدة مدن إيرانية، معتبرة ذلك “انتهاكا صارخا لسيادة أراضيها ووحدة أراضيها، وشنت هجمات مضادة طالت إسرائيل وقواعد أمريكية وغربية في المنطقة كما أغلقت مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.

وبين إصرار إسرائيل على مواصلة الحرب للقضاء على المشروع الإيراني بلا رجعة وتأكيد إيران على حقها في الرد بكل ما تملك، يبقى مستقبل المنطقة وشكل تحالفاتها إقليميا ودوليا مرهونا بإرادة الطرف المنتصر، الذي سيشكل المنطقة وفقا لمصالحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى