كتب: عاطف حنفي
ليست كل الشوارع مجرد أسماء على لافتات، بعضها يحمل تاريخ مدينة كاملة، وحكايات أناس مرّوا من هنا وتركوا أثرهم في ذاكرة الزمن. وبينما كان الجميع يعبر شوارع الإسكندرية يوميًا دون أن يتوقف أمام أسمائها، كان هناك رجل قرر أن يمنح عمره كله لتوثيق تلك الحكايات قبل أن تضيع.
إنه يوسف فهمي الجزايرلي، الرجل الذي أمضى نحو 30 عامًا يجمع تفاصيل شوارع الإسكندرية، باحثًا وراء كل اسم، وكل ميدان، وكل زقاق، ليصنع واحدة من أهم الموسوعات التوثيقية النادرة عن المدينة الساحلية.
الجزايرلي لم يكن مجرد موظف أو باحث تقليدي، بل عاشقًا للإسكندرية حتى النخاع. كان يؤمن أن الشوارع ليست حجارة وأسفلت فقط، بل ذاكرة مدينة وهوية شعب، لذلك تعامل مع مشروعه باعتباره رسالة عمر لا مجرد كتاب.
موسوعة تحفظ روح المدينة
عمل الجزايرلي على توثيق أسماء الشوارع والأحياء والميادين والحارات والممرات والحدائق، موضحًا أسباب التسمية، والشخصيات التي خُلّدت أسماؤها على لافتات المدينة، إلى جانب تحديد مواقعها والأقسام التابعة لها، في عمل بالغ الدقة والتنظيم.
وجاءت الموسوعة مرتبة أبجديًا بأسلوب علمي جعلها مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتاريخ الإسكندرية وتراثها العمراني والاجتماعي.
لكن الحلم تعثر في اللحظة الأخيرة.
فبعد انتهائه من إعداد الموسوعة عام 1967، كانت الاستعدادات جارية لطبعها، قبل أن تتوقف كل الخطوات بسبب ظروف الحرب، ليظل المشروع مؤجلًا لسنوات طويلة.
رحل وقلبه معلق بالإسكندرية
في 23 أكتوبر 1973، رحل يوسف فهمي الجزايرلي قبل أن يرى عمله مطبوعًا بين يديه. وتقول الروايات إن حالته النفسية تأثرت بشدة بعد أخبار “ثغرة الدفرسوار” خلال حرب أكتوبر، ليرحل حزينًا على الوطن الذي أحبه واختار الانتماء إليه بإرادته.
ورغم أن جذوره تعود إلى الجزائر وتونس، فإن قلبه كان مصريًا خالصًا.
وُلد الجزايرلي في حي الجمرك بالإسكندرية، وبدأ تعليمه بمدرسة إبراهيم باشا، وحفظ القرآن الكريم في صغره، ثم سافر إلى فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، وهناك كانت نقطة التحول الكبرى في حياته.
فداخل متحف اللوفر، شاهد موسوعة تؤرخ لشوارع باريس، لتولد بداخله فكرة توثيق شوارع الإسكندرية بنفس المنهج والدقة، ومنذ تلك اللحظة بدأ مشروعه الذي استمر لعقود.
بعد عودته إلى مصر، التحق بالعمل في بلدية الإسكندرية، وتدرج في المناصب حتى أصبح مديرًا عامًا للسكرتارية، كما درس الحقوق الفرنسية وحصل على ليسانس الحقوق، وقرر عام 1936 الحصول على الجنسية المصرية له ولأسرته.
كما كان من مؤسسي جماعة نشر الثقافة بالإسكندرية، التي تحولت لاحقًا إلى هيئة الفنون والآداب، إلى جانب موهبته الشعرية التي ترك من خلالها ديوانًا كاملًا.
وبعد سنوات من رحيله، أعادت مكتبة الإسكندرية إحياء حلمه، عبر مركز دراسات الإسكندرية والبحر المتوسط، الذي تولى نشر موسوعة “شوارع الإسكندرية” في ثلاثة أجزاء، لتظل شاهدة على رجل وهب عمره بالكامل لذاكرة مدينة لا تشبه سواها.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم