“شاشات مصبوغة بالدم”.. حين أصبح الاحتراق وسيلة للترند

كتبت / رحاب الحسيني

لم تعد المأساة في زمن السوشيال ميديا حدثًا يدعو للصدمة فقط، بل تحولت إلى محتوى يُستهلك على الهواء مباشرة.

مشهد السيدة التي أشعلت النار في جسدها أثناء بث مباشر لم يكشف فقط حجم الانهيار النفسي الذي يطارد البعض، بل فضح انهيارًا أخطر داخل المجتمع نفسه؛ مجتمع بات فيه “الريتش” أعلى قيمة من الإنسان.

الصدمة الحقيقية لم تكن في ألسنة اللهب، بل في ردود الأفعال المحيطة بالمشهد.

صرخات مرتفعة، ارتباك، وفزع… لكن ليس خوفًا على الضحية، بل خوفًا من إغلاق البث أو حظر الحساب.

هكذا ببساطة، تحولت الكارثة إلى “لايف”، وتحول الاحتراق إلى مادة لجذب المتابعين.

الأكثر قسوة أن الكاميرا استمرت في التصوير حتى بعد إخماد النيران، وكأن الألم لم يعد وجعًا إنسانيًا، بل فرصة جديدة لحصد التعاطف والهدايا الإلكترونية.

في تلك اللحظة، سقطت كل المعاني.

أصبح الجسد المحترق وسيلة للربح، وتحولت المأساة إلى تجارة علنية تُباع فيها الأحزان بالدقائق والمشاهدات.

ورغم كل هذا، تواصل منصات التواصل الاجتماعي الحديث عن “سياسات الحماية” و”المعايير الأخلاقية”، بينما تسمح ببث مشاهد صادمة ومؤذية طالما أنها تحقق التفاعل وتدر الأموال.

المعادلة باتت مرعبة:
كلما زادت القسوة، ارتفعت المشاهدات.

وكلما ارتفعت المشاهدات، تضخمت الأرباح.

ما نراه اليوم ليس مجرد انحدار في المحتوى، بل غيبوبة أخلاقية كاملة، أصبح فيها الإنسان مستعدًا لحرق نفسه، ومستعدًا أيضًا لمشاهدة غيره يحترق دون أن يمد له يد النجاة.

ويبقى السؤال الأكثر رعبًا:
إلى أي مدى يمكن أن تصل الإنسانية حين تصبح الشاشات أهم من الأرواح؟

اترك رد