الإعلامية هيام أحمد تكتب: «بين فكرة و فكرة»

بين فكرةٍ وفكرة..

 

ليس أخطر ما يعيشه الإنسان ما يحدث له في الواقع،

بل ما يحدث داخله دون أن يراه أحد.

 

، ففي ذلك الفراغ الخفي بين فكرةٍ وأخرى، قد يتغير مصير الإنسان دون أن ينتبه،وهنا يسقط في لحظة صامتة بين الحدث وتفسيره، يولد داخل الإنسان مسار آخر لا يراه احد، لسنا دائمًا أبناء ما يحدث لنا،

بل أبناء ما يقوله عقلنا عمّا يحدث.

ليست أكثر الكوارث تلك التي تُحدث ضجيجًا في الخارج،

بل تلك التي تقع بصمتٍ كامل داخل العقل.

 

فأغلب ما يهدم الإنسان لا يأتيه من العالم،

بل من الطريقة التي يعبر بها العالم داخل رأسه.

ولهذا، توجد داخل كل إنسان منطقة خفية لا يراها أحد،

مسافة قصيرة بين فكرةٍ وأخرى،

لكنها تتسع أحيانًا بما يكفي لانهيار روح كاملة.

 

وفي تلك اللحظة العابرة، قد يتحول سؤال صغير إلى هاوية،

وقد تصبح ذكرى عابرة سجنًا،

وقد يخلق العقل من احتمالٍ بسيط مستقبلًا مرعبًا، يعيش الإنسان ألمه قبل أن يحدث.

 

ومن هنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي،

فالإنسان لا يُرهق دائمًا من الحقيقة،

بل من تفسيره لها.

لا يتعب من الواقع ذاته،

بل من ذلك الحوار السري الذي لا يتوقف بينه وبين أفكاره.

 

لأن العقل لا ينقل العالم كما هو،

بل يعيد تشكيله وفق مخاوفه، وتجاربه، وندوبه القديمة.

ولهذا قد يعيش شخصان الحدث نفسه،

فينجو أحدهما، بينما يغرق الآخر داخل المعنى الذي منحه للحدث.

 

والمأساة هنا أن العقل بارع في صناعة الوهم بطريقة تبدو منطقية.

إنه لا يخبرك أنك خائف،

بل يقنعك أنك “ترى بوضوح”.

ولا يخبرك أنك قلق،

بل يجعلك تظن أنك فقط تستعد للأسوأ.

وهكذا، يعيش كثير من البشر داخل احتمالات لم تقع،

ويستهلكون أعمارهم في مقاومة أشباح صنعها التفكير المفرط.

ولهذا، كم من علاقة انتهت بسبب سيناريو لم يحدث؟

وكم من روح أرهقها تحليل كل شيء حتى فقدت القدرة على الشعور بأي شيء؟

لقد أصبح الإنسان الحديث يحمل عقلًا مزدحمًا أكثر من اللازم.

يفكر أثناء الحديث،ويحلل أثناء الحب،

ويخاف أثناء الفرح،حتى أصبح عاجزًا عن عيش اللحظة دون تشريحها.

والمفارقة المؤلمة،

أن العقل الذي خُلق لحماية الإنسان،

قد يتحول . حين يُترك بلا وعي إلى أخطر مكان يمكن أن يعيش داخله الإنسان. و أخطر لحظة ليست حين تزدحم الأفكار،بل حين لا نلاحظ أننا صدّقناها بالكامل،

لكن النجاة لا تكون بإسكات العقل،

فالعقل لا يصمت.

بل بأن تتوقف عن تصديق كل ما يقوله لك.

أن تدرك أن الفكرة ليست قدرًا،

وأن الخوف ليس نبوءة،

وأن أكثر الأصوات إقناعًا داخلنا،ليست دائمًا أكثرها صدقًا.

وهنا يبدأ النضج الحقيقي،

أن تتعلم المرور بين أفكارك دون أن تسكن فيها،

وأن تنظر إلى القلق كعابرٍ لا كمقيم،

وأن تفهم أخيرًا:

أن السلام النفسي ليس عالمًا بلا ضوضاء،

بل عقلًا يعرف متى يتوقف عن الحرب مع نفسه.

وربما كانت أعظم النجاة في الحياة،

أن ينجو الإنسان من نفسه،

من ذلك الضجيج الذي لا يسمعه أحد،

ومن المعارك التي تُدار في الداخل بصوتٍ يشبهه تمامًا، في النهاية،كل شيء يحدث بين فكرةٍ وفكرة..هناك فقط تتحدد حياة الإنسان أو انكساره الداخلي،يا عزيزي انتبه قبل أن تتحول فكرة عابرة إلى حياةٍ كاملة من التعب.

اللهم ارزقنا عقولًا لا تؤذينا،

وقلوبًا لا تُرهقها الظنون،

ونورًا داخليًا يجعلنا نرى الأشياء كما هي… لا كما يصورها الخوف،

وسلامًا يمرّ على أرواحنا بهدوء،

فلا نضيع بين فكرةٍ وفكرة.

عن هيام احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *