محمد صلاح: بين ثمن الحلم وصناعة الفخر

كتب: د. عمرو البرادعي – أسيوط

جملة واحدة قالها النجم المصري كانت كفيلة بإشعال مواقع التواصل الاجتماعي “أنا ضيعت شبابي عشان أحقق أحلام المصريين.”

في ظاهرها تبدو العبارة صادمة؛ فكيف للاعب يتقاضى راتباً أسبوعياً يُقدَّر بمئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية أن يتحدث عن “ضياع شبابه”؟ لكن الحقيقة أن صلاح لم يكن يتحدث عن المال، بل عن الثمن الإنساني الذي يدفعه كل من يختار القمة طريقاً لحياته.

 

ضياع الشباب عند صلاح لا يعني الفقر أو الحرمان، وإنما يعني التخلي عن الحياة العادية التي يعيشها معظم الناس.

 

يعني سنوات طويلة من الانضباط القاسي، والحرمان من التفاصيل البسيطة التي يصنع منها الشباب ذكرياتهم: السهر مع الأصدقاء، العفوية، الراحة، والحياة بلا حسابات دقيقة.

 

حياته تحولت منذ سنوات إلى برنامج صارم بين التدريبات، والاستشفاء، والسفر، والضغط النفسي المتواصل.

 

كما أن الغربة كانت جزءاً من هذا الثمن. خرج صلاح من قريته صغيراً، وعاش سنوات طويلة بعيداً عن أسرته ووطنه، في بيئات مختلفة ولغات لا تشبه لغته الأم، بينما كان كثير من أبناء جيله يعيشون دفء البدايات العائلية والاجتماعية.

ثم يأتي العبء الأكبر: الضغط النفسي.

صلاح لا يلعب لنفسه فقط، بل يحمل على كتفيه توقعات شعب كامل كل مباراة تُحلل، وكل لمسة تُراقب، وكل هدف يتحول إلى مساحة فرح لملايين المصريين الذين يرون فيه نموذجاً للأمل والانتصار.

صحيح أن المال جزء من الصورة، لكنه لم يكن يوماً جوهر الحكاية.

فالمال نتيجة طبيعية للموهبة والنجاح، أما الحلم فهو البداية الحقيقية.

صلاح اختار الطريق الأصعب؛ اختار أن يكون اسم مصر حاضراً في أكبر ملاعب العالم، وأن يثبت أن شاباً خرج من قرية بسيطة يستطيع أن يقف بين أعظم لاعبي كرة القدم في العالم.

وعندما تحدث عن “أحلام المصريين”، كان يقصد تلك اللحظات التي يتوحد فيها الناس خلف هدف وفرحة وفخر مشترك.

يقصد الطفل الذي يرتدي قميصه ويحلم بأن يصبح مثله يوماً ما.

ويقصد أيضاً شعباً يبحث دائماً عن نماذج تمنحه الإيمان بأن النجاح ممكن مهما كانت البدايات متواضعة.

لهذا، فإن عبارة “ضيعت شبابي” ليست شكوى من ثراء أو تعب، بل اعتراف صادق بأن الوصول إلى القمة له ثمن، وأن صناعة الفرح للآخرين قد تستهلك سنوات العمر وأجمل لحظاته.

محمد صلاح لم يضيع شبابه بالمعنى الحقيقي، بل استثمره.

استثمره في حلم أكبر من المال، وأبقى من العقود، وأعمق أثراً في قلوب الناس.

ولهذا سيظل بالنسبة لكثير من المصريين أكثر من مجرد لاعب كرة قدم؛ سيظل رمزاً لفكرة أن الحلم يستحق التضحية.

عن إسلام عبد الرحيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *