عماد نصير يكتب/ “الأفروسنتريك”.. كرم الضيافة والتسامح والأمن القومي

 

بحكم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي في العقد الأخير انتشر معها العديد من الظواهر والمسميات التي لم تكن معروفة بهذا القدر من قبل، ولعل أبرزها تلك الكلمة الشائنة (الأفروسنتريك).
تعود أصول هذا المصطلح إلى الربع الأول من القرن الماضي، حيث راج بين الأمريكيين من أصول أفريقية على هيئة حركة تنويرية تهدف إلى رد الاعتبار للهوية الأفريقية وحقوق السود.
ظلت الحركة مجرد بوق أسود يمجد في الأفارقة ويندد بحقوقهم الضائعة والمنهوبة وبدورهم الحضاري المنسي عمدا، حتى برز دور مؤرخ سنغالي يدعى (شيخ ديوب)، أخذ بالمصطلح والحركة ككل إلى بعد آخر من الطموح والشذوذ الفكري حيث اعتمدت الحركة العمل على دمج الحضارة المصرية تحت طائلة الهرطقة التاريخية بالقول بأنها حضارة زنجية أو أن تاريخها أسود وليس للمصريين علاقة بها أو على أفضل تقدير كانو مجرد شركاء في صنع تلك الحضارة.
نقاء الحمض النووى المصري يعد من الأمور الفريدة التي يفاخر بها المصريون مختلف الشعوب، فلا يوجد شعب تتحد جيناته بنسبة 97.5% سوى المصريين الذين يحملون نفس الجينات الأساسية بهذه النسبة الفريدة، غير أن نسبة 17:21 هي جينات تنتمي للجزيرة العربية.
خريطة الجينوم المصري ذلك المشروع الضخم الذي بدأته الحكومة في العام 2021م بتوجيهات رئاسية، بهدف تحديد خريطة جينية وإنشاء ما يسمى بقاعدة بيانات جينية للمصرين يرسخ القاعدة الثابتة القائلة بالاتصال المباشر بين المصري المعاصر وجده الذي بنى تلك الحضارة قبل آلاف السنين، وينفي نفيا قاطعا أي اتصال زنجي أو أفريقي أو أي عرق آخر بهذه الحضارة التي يستميت أبناؤها في الدفاع عنها ضد الأنساب الأخرى ومدعي الانتساب من غير المصرين لا سيما “الأفروسنتريك” لصوص الحضارات، كما ينفي أي انفصال جيني أو زمني بين السلف والخلف للأمة المصرية التي تتشابك ملامحها قبل جيناتها منذ مهد التاريخ.
التشابه الجيني مع شعوب الجزيرة العربية ومنطقة الشام توضح أن الصلات الرئيسية بحكم التجارة والجوار كانت مع الجار الشرقي وليس الجنوبي، وأن “الأفروسنتريك” المنتمين للجنوب لم يكن لهم أي صلات مباشرةً مع الأمة المصرية بشكل يجعل لهم ذكر أو تأثير على خريطة الجبن المصري، فلا هم شاركونا بيئتنا ولا حضارتنا ولا تم التزاوج بيننا وبينهم بشكل يظهر في خريطة الجينوم المصري، وذلك بعكس الجار الشرقي في الجزيرة العربية وبلاد الشام، بالتالي ينفي ذلك نفيا قاطعا أي صلة بين العرق الأفريقي والحضارة المصرية.
على الرغم من أن المصري القديم لم يكن يحدد أعداءه بلون بشرة أو عرق معين، إلا أنه كان ينظر إلى الجميع من منظور واحد وهو حماية الحدود المصرية من أي معتد أو دخيل، لا فرق في ذلك بين أي جار من الجهات الأربع إذا ما تعرضت حدود الدولة لأي جور، وهناك العديد من الجداريات والنقوش التي تبرز ذلك مع العديد من الأعراق وتصورهم في أوضاع أسر مذلة ومهينة، وعلى رأسهم العرق الأفريقي من أعداء الدولة المصرية حينها، ولا ننسى تلك الصورة الشهيرة التي تبرز ذلك على الحذاء المنسوب للملك توت عنخ آمون.
المصريون هم أمة من أقل دول العالم عنصرية تجاه اللاجئين والغرباء والسياح وأي شعب آخر بعيش بينهم، والمجتمع المصري عموما يتسم بالود والتسامح والإخاء، ولا يستهجن المصريون رؤية الغرباء بينهم في الشارع أو وسائل النقل أو حتى للوحدات السكنية، ربما لأن مصر بلد سياحي أو محوري فمن الطبيعي أن تشاهد عشرات الأجانب بصورة يومية.
إلا أن الأمر هنا مختلف وبصورة كبيرة، فالأفروسنتريك تعمل على فصل المصريين عن هويتهم وجذورهم وتاريخهم وأجدادهم، لم يسعو إلى دمج أنفسهم زورا بين جينات أو معابد أو حجارة أهرامات مصر جنبا إلى جنب مع المصريين، بل نزعوا عن المصري المعاصر صلته بماضيه، وهو الأمر الذي يواجه بسيل من الحروب الكلامية ونقاشات وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ويجعل من المصري المرحب والمضياف في الشارع، كاره لكثافة الوجود الأجنبي الذي يرى فيه عده الإلكتروني الذي يشاركه بالادعاء والتضليل حضارة وجدت قبل أن يبدأ التاريخ تعلم الكتابة.
الدولة المصرية لديها من الرؤية ما يجعلها تدير ملف اللاجئين وفق سياساتها الخارجية والداخلية ووفق منظومة المصالح، إلا أن ما يعرف بالأفروستتريك بات يشكل حالة من الوجود السلبي في الوعي الجمعي لكثير من المصريين تجاه اللاجئين البالغ عددهم 9 مليون وينحدرون من 133 دولة، وهو الأمر الذى يحتاج إلى تحرك يهدئ الشارع ويظهر ذلك الوجه المدرك والواعي، بجوار ذلك المرحب المبتسم المضياف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *