ذكر يسير وأثر عظيم.. الدكتور مختار مرزوق يكشف أسرار المداومة على «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» عند رؤية النِّعم

تقرير: أحمد فؤاد

في زمنٍ تتسارع فيه تنوع الحياة، ويتسابق الناس إلى مشاركة تفاصيل النعم والإنجازات، قد يغفل كثيرون عن ذكرٍ يسيرٍ جعله القرآن الكريم سببًا في شكر النعمة، ودليلًا على ردِّ الفضل إلى الله سبحانه وتعالى، وهو قول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله».

ويؤكد الأستاذ الدكتور مختار مرزوق عبدالرحيم، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط، أن هذه الكلمات المباركة ليست مجرد ذكر يُقال، وإنما هي توجيه قرآني كريم لحماية النعم وصيانتها من أسباب الزوال، وترسيخٌ لمعنى التوحيد والاعتراف بأن كل خير إنما هو بمشيئة الله وقدرته.

الهدي القرآني في تحصين النِّعم

ويستند هذا المعنى إلى قول الله تعالى في سورة الكهف:

﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

ويشير الدكتور مختار إلى أن هذه الآية جاءت في قصة صاحب الجنتين، لتلفت الأنظار إلى أدبٍ إيماني عظيم، وهو أن المؤمن إذا رأى نعمةً أُعجب بها، سواء كانت له أو لغيره، فعليه أن يردَّ الأمر إلى الله، ويُقرَّ بأن كل فضلٍ إنما هو بعطائه سبحانه.

أقوال العلماء تؤكد فضل هذا الذكر.

ويضيف أن الحافظ ابن حجر العسقلاني أوضح في كتابه فتح الباري، أثناء شرحه لأحاديث العين، أن العلاج بعد وقوع الإصابة يكون بما ورد في السنة من الاغتسال، أما الوقاية قبل وقوع الضرر فقد أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال في قصة سهل بن حنيف: «ألا بركت»، وفي رواية أخرى: «فليدع بالبركة»، أي يدعو بالبركة لمن رأى منه ما أعجبه حتى لا تصيبه العين.

كما أورد ابن حجر حديثًا مرفوعًا: «من رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره»، إلا أن أهل الحديث بيّنوا أن إسناده ضعيف، لوجود الراوي أبي بكر الهذلي، وهو ضعيف جدًا، كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد.

ورغم ضعف هذا الحديث، فإن العلماء أجمعوا على أن المعنى الذي تضمنه ثابت بدلالة القرآن الكريم، لأن الآية الكريمة نفسها تحض المؤمن على هذا الذكر عند رؤية النعم.

متى يُقال «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»؟

ويؤكد الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يحث عباده على أن يحمدوه إذا رأوا ما أنعم به عليهم من مال أو ولد أو جاه أو غير ذلك، وأن يقولوا: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، مبينًا أن بعض السلف كانوا يرون أن من أعجبه شيء من نفسه أو ماله أو ولده فليقل هذا الذكر، لأنه مستنبط من الآية الكريمة.

تحصين النفس قبل تحصين المال والولد

ويلفت الدكتور مختار مرزوق إلى أن التحصين لا يقتصر على رؤية نعم الآخرين، بل يشمل كذلك ما يراه الإنسان في نفسه؛ فإذا رزقه الله صحة أو عافية أو قوة أو نجاحًا أو علمًا أو جمالًا، فليُبادر إلى قول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، حتى يكون شاكرًا لله، معترفًا بفضله، ومستعينًا به على دوام النعمة.

ويضيف أن هذا الذكر يجمع بين الشكر والتواضع والتوكل، ويُربي المسلم على ألا ينسب الفضل إلى نفسه، بل إلى الله سبحانه وتعالى، الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وهو القادر على الإعطاء والمنع.

ثمرات المداومة على هذا الذكر في حياة المسلم.

ومن الفوائد التي أشار إليها الدكتور مختار مرزوق، أن المسلم إذا استفتح هذا الذكر بالبسملة، جمع بين ثواب الذكر والدعاء وثواب تلاوة القرآن الكريم، لأن عبارة «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» جزء من آية من كتاب الله عز وجل، موضحًا أن عدد حروفها مع البسملة يبلغ أربعين حرفًا، فيرجى للمسلم بذلك عظيم الأجر وكثرة الحسنات، مع الحرص على استحضار الإخلاص والخشوع.

خاتمة

إن المحافظة على النعم لا تكون بالأسباب المادية وحدها، بل تبدأ بشكر المنعم سبحانه، والاعتراف بفضله، والإكثار من ذكره. وكلمات قليلة مثل «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» قد تكون سببًا في دوام البركة، وغرس معاني الإيمان في القلوب، وتربية النفس على أن كل نعمة هي هبة من الله تستحق الشكر والحمد في كل حين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *