نجوى إبراهيم تكتب: الإسكندرية.. روح القانون

الإسكندرية مدينة عريقة تعاقب عليها محافظون ترك كل منهم بصمته، لكن يبقى السؤال: هل يكفي تطبيق القانون بحذافيره أم أن العدالة الحقيقية تحتاج أحيانًا إلى روح القانون؟

لا أحد يختلف على أن احترام القانون هو أساس استقرار الدولة، لكن تطبيق النصوص دون مراعاة ظروف الناس قد يحول العدالة إلى شعور بالقسوة، فالمواطن اليوم يواجه تحديات اقتصادية صعبة ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وتراجع فرص الاستثمار، وتوقف أعمال البناء الذي أثر على آلاف العمال وأصحاب المهن المرتبطة به، حتى أصبح كثيرون يكافحون من أجل توفير لقمة العيش.

وفي ظل هذه الظروف، يحتاج المواطن إلى مسؤول يسمع قبل أن يحاسب، ويبحث عن الحل قبل العقاب،  فالقاضي، وهو يطبق القانون، ينظر أحيانًا إلى الملابسات والظروف ليحقق العدالة، لأن روح القانون لا تقل أهمية عن نصوصه.

ولعل ما شهدته الإسكندرية مؤخرًا في واقعة إزالة قاعة الأفراح المؤجرة بنادي الأطباء خير مثال على ذلك. فبعيدًا عن الجدل القانوني، هناك شاب استثمر كل ما يملك، وباع سيارته، واستدان، ووفر فرص عمل لعشرات الأسر، ثم وجد نفسه أمام خسائر فادحة بعد تنفيذ القرار. قد يكون تنفيذ القانون واجبًا، لكن كان من حق الجميع أن يتساءل: هل كان يمكن إدارة الموقف بما يحقق هيبة الدولة، وفي الوقت نفسه يقلل من خسائر مواطن اجتهد واستثمر وأصبح مسؤولًا عن أرزاق آخرين؟

رسالتي إلى محافظ الإسكندرية أن المواطن لا يطلب تجاوز القانون، بل يطلب أن يُطبق بعدل وإنسانية، وأن يشعر بأن الدولة تقف إلى جواره لا في مواجهته. كما أن رسالتي إلى رؤساء الأحياء، باعتبارهم الواجهة اليومية للدولة، أن يكونوا أقرب إلى الناس، وأن يدركوا أن الكلمة الطيبة، والحوار، وإعطاء الفرصة لتوفيق الأوضاع، قد تحقق ما لا تحققه قرارات التنفيذ وحدها.

لسنا في حاجة إلى مسؤولين يجلسون على الكراسي باعتبارها سلطة للعقاب، بل إلى مسؤولين يرون في مناصبهم مسؤولية لخدمة الناس. فالقوة الحقيقية ليست في كثرة المحاضر أو قرارات الإزالة، وإنما في القدرة على تحقيق التوازن بين هيبة الدولة ومصلحة المواطن.

إن الإسكندرية تستحق إدارة قوية وعادلة، تؤمن بأن القانون ليس مجرد مواد تُنفذ، بل رسالة لتحقيق العدل وحماية المجتمع. وعندما يشعر المواطن بأن المسؤول يسمعه ويقدر ظروفه، سيحترم القانون عن اقتناع، لا خوفًا من العقاب. فهذه هي روح القانون التي نبني بها وطنًا قويًا، ودولة يشعر فيها الجميع أن العدالة لها وجه إنساني لا يغيب.

اترك رد