كتبت /إسراء السخاوي
في لحظة واحدة، تحوّل طريق الإسماعيلية إلى مشهد من الفقد والصدمة؛ 18 شخصًا رحلوا، و30 آخرون أصيبوا، وبين الضحايا أطفال كان يفترض أن يبدأوا يومهم في مدارسهم، لا داخل سيارة تقل عمالًا إلى أرض زراعية.
لم يكن هؤلاء الصغار في المكان الذي يليق بأعمارهم. كان يفترض أن يحملوا حقائبهم، لا أعباء العمل، وأن ينشغلوا بدروسهم وألعابهم، لا بمخاطر الطرق ومواقع العمل.
لهذا، فإن حادث الإسماعيلية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادث سير فقط، بل باعتباره إنذارًا جديدًا بشأن عمالة الأطفال، وما تقف خلفها من ظروف اقتصادية وممارسات اجتماعية تحتاج إلى مواجهة جادة.
الفقر قد يدفع الأسرة إلى خيارات قاسية، والاحتياجات المعيشية لا يمكن تجاهلها، لكن تحويل الطفل إلى مصدر دخل ليس حلًا للأزمة، بل نقلٌ لها إلى كتفي من لا يملك القدرة على تحملها.
الطفل ليس مسؤولًا عن إعالة أسرته.
عندما يخرج طفل في عمر المدرسة إلى مزرعة أو ورشة أو مصنع، ويقضي ساعات طويلة في العمل، أو يحمل أوزانًا تفوق قدرته، أو يتنقل في وسيلة غير آمنة، فإننا لا نمنحه فرصة طبيعية للتعلم، بل نضع أمامه مخاطر قد يدفع حياته ثمنًا لها.
والأمر يصبح أكثر خطورة عندما يجري تبرير ذلك بأنه “يساعد أهله” أو “يتعلم تحمل المسؤولية”.
تحمل المسؤولية لا يعني أن يتحمل الطفل أعباء الكبار.
ومن هنا، لا بد من التوقف أيضًا أمام مفهوم مسؤولية الإنجاب.
فإنجاب طفل ليس مجرد لحظة فرح أو إضافة فرد جديد إلى الأسرة، وإنما بداية التزام طويل يحتاج إلى إمكانات ورعاية ووعي. فالطفل يحتاج إلى الغذاء، والتعليم، والعلاج، والتربية، والأمان، ويحتاج قبل كل شيء إلى أسرة قادرة على حمايته من أن يتحول إلى وسيلة لسد احتياجاتها.
ولا يعني ذلك تحميل الأسر وحدها مسؤولية عمالة الأطفال، أو اعتبار الفقر سببًا لمنع الإنجاب، فالمشكلة أوسع من ذلك بكثير، ولها جذور اقتصادية واجتماعية وتشريعية.
لكن من الضروري أن يكون قرار تكوين الأسرة مصحوبًا بإدراك حقيقي لحجم المسؤولية، حتى لا يصبح الأبناء أنفسهم ضحايا لظروف كان يمكن الحد من آثارها بالوعي والتخطيط.
التربية لا تعني أن نُدخل الطفل سوق العمل مبكرًا، وإنما أن نعدّه للحياة عندما يحين الوقت.
يمكن غرس قيمة العمل والانضباط في الطفل، لكن دون حرمانه من المدرسة أو تعريضه للخطر أو تحميله ما يتجاوز سنه.
فالعمل ليس عيبًا، لكن عمل الطفل الذي يهدد صحته، أو يحرمه من التعليم، أو يضع حياته في خطر، هو المشكلة التي يجب مواجهتها بلا تهاون.
كما أن المسؤولية لا تتوقف عند الأسرة.
صاحب العمل الذي يشغل طفلًا لأنه أقل تكلفة، ومن يقبل تشغيله في بيئة غير آمنة، ومن يسمح بنقل العمال في مركبات غير مؤهلة، جميعهم أطراف في دائرة المسؤولية.
والمجتمع نفسه مطالب بألا يتعامل مع الطفل العامل باعتباره مشهدًا طبيعيًا، بل أن يدرك أن وراء كل طفل يعمل مبكرًا قصة تحتاج إلى حماية وحل.
أما الدولة، فعليها تعزيز الرقابة وتطبيق القانون، وضمان وسائل نقل آمنة، وملاحقة المخالفين، وتوفير برامج حماية اجتماعية للأسر الأكثر احتياجًا، حتى لا يصبح الطفل هو الحل الأسهل والأضعف في مواجهة الفقر.
لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب بعد هذه المأساة:
أين كان يجب أن يكون هؤلاء الأطفال صباح الحادث؟
في المدرسة.
بين زملائهم.
يحملون كتبهم ودفاترهم، ويحلمون بمستقبل لم يبدأ بعد.
كان يجب أن تكون أكبر مشكلاتهم امتحانًا أو واجبًا مدرسيًا، لا طريقًا إلى العمل.
وكان يجب أن يعودوا إلى بيوتهم في نهاية اليوم، لا أن تنتظرهم أسرهم أمام المستشفيات والمشارح.
لهذا، فإن حادث الإسماعيلية يجب ألا ينتهي بانتهاء مراسم الدفن، ولا أن يتحول إلى موجة حزن عابرة ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
المطلوب مراجعة حقيقية لظاهرة عمالة الأطفال، وسلامة نقل العمال، وآليات الرقابة، ووعي الأسر بمسؤولية الإنجاب، إلى جانب توفير حماية فعالة للفئات الأكثر احتياجًا.
فالأطفال لا يختارون ظروفهم، ولا يقررون حجم دخل أسرهم، ولا يتحملون مسؤولية خيارات الكبار.
لكنهم يدفعون الثمن عندما نتخلى عن مسؤوليتنا تجاههم.
الطفولة حق وليست قوة عمل، والإنجاب مسؤولية تبدأ قبل ولادة الطفل وتستمر حتى يصبح قادرًا على بناء حياته بنفسه.
رحم الله ضحايا الحادث، وشفى المصابين، وألهم ذويهم الصبر.
ولعل أقسى ما يجب أن نتعلمه من هذه المأساة أن الفقر قد يبرر الحاجة، لكنه لا يبرر أن ندفع طفلًا إلى الخطر.. فالطفولة التي نفقدها اليوم قد تكون مستقبلًا لن يأتي غدًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم