محمود عبد العظيم يكتب: المقال مكتوب بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، أضحك في كل مرة وأنا أتابع ما يدور بين بعض الزملاء الصحفيين من سجالات، وتلميحات ساخرة، واتهامات مبطنة، لمجرد أن أحدهم امتلك الشجاعة واستعان بالذكاء الاصطناعي في إنجاز عمله.

أراهم يتعاملون مع الأمر وكأن الصحفي قد ارتكب جُرمًا لا يُغتفر بمجرد استخدامه لأداة من أدوات عصره.

أضحك… نعم، لكن الحزن في داخلي أكبر بكثير من أي ضحكة، أن نصل نحن من يُفترض بنا أن نكون في مقدمة من يقرؤون العالم ويواكبون تحولاته، إلى مرحلة نرى فيها التكنولوجيا تهمة أخلاقية، ونعتبر فيها استكشاف المعرفة الجديدة انتقاصًا.

أتذكر عندما كنا في المدرسة، وكانت بعض مسابقات الرياضيات تشترط علينا عدم استخدام الآلة الحاسبة، كنت أتساءل وقتها: هل معنى أنني أريد أن أتعلم الحساب جيدًا أنني سأقضي بقية حياتي رافضًا استخدام الآلة الحاسبة؟ وهل عندما أثبت أنني أجيد الحساب، يصبح استخدام الآلة الحاسبة بعد ذلك عيبًا؟

وهل عندما أتعلم الكتابة على الورق، يجب أن أرفض الكمبيوتر وأصر على كتابة كل أعمالي في دفاتر، ثم ربما تنتهي أوراقها يومًا في لف الخضار والفاكهة؟

بالتأكيد لا.

أنا لا أدافع عن غياب العقل، ولا أرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل محل الصحفي أو الكاتب أو الإنسان، بل على العكس تمامًا، أنا أدافع عن إعمال العقل في زمن جديد.

نحن أمام مرحلة لن تتوقف لأن البعض قرر ألا يواكبها، ولن يعود العالم إلى الوراء حتى نحافظ على الطريقة التي اعتدنا أن نعمل بها.

الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من واقعنا، وسيدخل أكثر وأكثر في الصحافة والإعلام والكتابة والتحرير والتحليل والبحث وإنتاج المحتوى.

ثم كيف لنا كصحفيين ألا نرى هذا التطور، ونحن أكثر من عايشوا تحولات المهنة خطوة بخطوة؟ نحن شهود على انتقال الصحافة من الورق إلى الصحافة الرقمية، ومن انتظار الخبر في عدد الغد إلى نشره في لحظته، ومن القوالب التقليدية إلى أشكال جديدة في الكتابة والعرض، ومن مجرد تحرير الخبر إلى فهم الـSEO والمنصات الرقمية وسلوك الجمهور، وكل يوم تظهر أدوات وأساليب جديدة تعيد تشكيل طريقة عملنا وتقديمنا للمحتوى.

فالمهنة التي تغيرت أمام أعيننا كل هذه المرات، من الطبيعي أن تستمر في التغير، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً ولا خروجًا على قواعد الصحافة، بل هو مرحلة جديدة من مراحل التطور التي علينا أن نفهمها ونتعلمها ونستخدمها بوعي، كما فعلنا مع كل تحول سابق، لأن الصحفي الذي يواكب أدوات عصره لا يفقد مهنته، بل يحافظ على قدرته على الاستمرار فيها.

ولذلك، فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل تستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ السؤال الأهم هو: كيف تستخدمه؟

أنا مع أن يتعلم الصحفي الذكاء الاصطناعي، وأن يعرف أدواته وإمكاناته، وأن يستفيد منه في عمله، وأن يختصر به الوقت والجهد، وأن يستخدمه في البحث والمراجعة والترتيب والصياغة وتوليد الأفكار، ما دام ملتزمًا بالدقة والمهنية والمسؤولية.

لكنني ضد أن يتحول الإنسان إلى مجرد تابع للأداة، وضد أن يكتب الذكاء الاصطناعي ونحن نكتفي بالضغط على زر “نسخ”.

وضد أن نأخذ كل ما ينتجه كما هو، دون مراجعة أو تدقيق أو فهم، وضد أن يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة للكسل أو ذريعة للتقاعد المبكر للعقل.

هذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف أمامها، الصحافة في النهاية ليست مسابقة لإثبات من كتب أكثر عدد من الكلمات بيده، وليست منافسة فيمن يرفض التكنولوجيا أكثر.

الصحافة قيمة، ومعلومة، وتحقيق، ودقة، ووعي، وقدرة على الفهم والتحليل، وحس إنساني، ومسؤولية أمام الجمهور، والذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يمنح كل ذلك لشخص لا يملكه من الأساس.

يمكنه أن يساعد الصحفي الجيد على أن يصبح أكثر سرعة وكفاءة، لكنه لن يحول الصحفي الكسول إلى صحفي محترف لمجرد أنه استخدم أداة ذكية، بل ربما يحدث العكس؛ فكلما كانت الأداة أكثر قوة، احتاجت إلى إنسان أكثر وعيًا وقدرة على استخدامها، لأن الأداة القوية في يد شخص غير واعٍ قد تنتج أخطاء أسرع، وليس نجاحًا أكبر.

التطور لا ينتظر أحدًا، ومن يريد أن يعمل في صحافة الغد، عليه أن يتعلم أدوات الغد، لا أن يحاربها لأنها جاءت في وقت لم يعتد عليه، لكن عليه في الوقت نفسه ألا ينسى أن التكنولوجيا، مهما بلغت من الذكاء، تظل أداة، أما العقل والوعي والضمير والخبرة والقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، فهذه مسؤولية الإنسان.

فلا تخافوا من الذكاء الاصطناعي، ولا تتعاملوا معه باعتباره خصمًا جاء ليأخذ مكانكم، بل واجهوه بالشجاعة التي تليق بمن يعمل في مهنة تقوم في جوهرها على المعرفة والبحث والتطور. تعلّموا أدواته، افهموا إمكاناته، واعرفوا كيف تجعلونه يعمل لصالحكم، لأن المستقبل لن ينتظر المترددين.

وقريبًا، وربما أسرع مما نتخيل، لن يكون غريبًا أن نقرأ أمامنا في كل مكان: “المقال مكتوب بمساعدة الذكاء الاصطناعي”، ولن تكون العبارة وقتها مدعاة للسخرية أو الاتهام، بل ستصبح مجرد وصف لأداة استخدمها إنسان يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه.

 

محمود عبد العظيم محرر، وصحفي ديسك، عمل بالعديد من الصحف والمواقع المصرية والعربية

اترك رد