كتبت:أميرة عمارة
في ظل مشهد إقليمي ودولي تتسارع فيه التطورات وتتداخل فيه الأزمات، تتحرك الدبلوماسية المصرية على أكثر من مسار، بين اتصالات سياسية مكثفة لاحتواء التصعيد في المنطقة، وتحركات لدعم القضية الفلسطينية، وتعزيز العلاقات العربية والإفريقية والدولية، بالتوازي مع تطوير الخدمات المقدمة للمصريين بالخارج.
ويأتي هذا النشاط في عام يحمل دلالة خاصة لوزارة الخارجية المصرية، التي تحتفل بمرور 200 عام على تأسيسها، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى الحفاظ على دورها المؤثر في محيطها الإقليمي والدولي، والدفاع عن مصالحها الوطنية عبر أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقنصلية متكاملة.
حيث تظل القضية الفلسطينية وقطاع غزة في مقدمة أولويات التحرك المصري، في ظل استمرار التوترات الإقليمية والحاجة إلى تحرك عربي ودولي يفتح الطريق أمام التهدئة والحلول السياسية.
وكثفت القاهرة اتصالاتها مع عدد من الأطراف العربية والدولية، مؤكدة أهمية خفض التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع، والعودة إلى المسارات السياسية والدبلوماسية.
وفي هذا الإطار، بحث وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي مع عدد من نظرائه العرب التطورات الإقليمية، ومن بينها الاتصالات مع وزيري خارجية البحرين والكويت، كما أجرى في بداية الشهر اتصالًا مع المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، تناول جهود خفض التصعيد وضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية.
وعقد د. عبد العاطي لقاءات على هامش الاجتماع الوزاري الخاص بالقدس في عمّان، من بينها لقاء وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، حيث تناولت المباحثات تطورات غزة والجهود الرامية إلى دفع المسار السياسي.
وفي إطار التحركات المصرية لدعم جهود التهدئة، بحث وزير الخارجية مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، نتائج الاتصالات والجهود الدبلوماسية الرامية إلى دفع مسار التهدئة.
وأكد الجانبان أهمية تكثيف الجهود لخفض التصعيد والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التأكيد على أولوية الحلول السياسية والدبلوماسية واحترام قواعد القانون الدولي.
ويعكس هذا التنسيق استمرار الدور المصري في الاتصالات المتعلقة بملفات المنطقة، خاصة مع امتلاك القاهرة قنوات اتصال متعددة مع الأطراف الفاعلة.
ولم تقتصر المباحثات المصرية السعودية على الملفات السياسية، إذ تناول لقاء وزير الخارجية مع نظيره السعودي كذلك سبل تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
وشملت مجالات التعاون التي جرى التركيز عليها النقل والربط البحري والتخزين والخدمات اللوجستية والطاقة، إلى جانب زيادة التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة.
وتشير هذه التحركات إلى اتجاه واضح نحو ربط العلاقات السياسية بالتعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يعزز المصالح المشتركة بين القاهرة والرياض.
وعلى الساحة الإفريقية جاء تحركًا مصريًا لافتًا، تمثل في انعقاد الدورة الرابعة للجنة المشتركة المصرية التشادية في العاصمة التشادية إنجامينا يوم 6 أغسطس، بمشاركة وفد مصري رفيع المستوى وقيادات حكومية ورجال أعمال.
وشملت المباحثات عددًا من المجالات، من بينها النقل والصحة والتعليم والطيران والتعاون الاقتصادي، بما يعكس توجه القاهرة نحو ترجمة العلاقات السياسية مع الدول الإفريقية إلى مشروعات وشراكات عملية.
وفي السياق نفسه، بحث وزير الخارجية مع السكرتير التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء سبل دعم دور التجمع وتعزيز آليات عمله، مع التركيز على قضايا السلم والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وبناء القدرات.
وأكد الجانب المصري أهمية الجمع بين البعد الأمني والبعد التنموي في التعامل مع التحديات التي تواجه منطقة الساحل والصحراء.
كما كشفت نتائج اللجنة المصرية التشادية عن رغبة متبادلة في توسيع نطاق العلاقات الثنائية لتشمل قطاعات حيوية تمس التنمية والاستثمار والخدمات.
وتأتي هذه الخطوة ضمن اهتمام مصري متواصل بالقارة الإفريقية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والتنموية التي تواجه مناطق الساحل والصحراء، وأهمية تعزيز الشراكات مع الدول الإفريقية.
وعلى المستوى القنصلي، وضعت وزارة الخارجية ملف المصريين بالخارج ضمن محاور العمل الرئيسيةجاء انعقاد النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج تحت شعار «مهما اتغربنا… مصر تقربنا»، بمشاركة عدد من الوزراء وممثلي مؤسسات الدولة.
وشهد المؤتمر توقيع أربعة بروتوكولات تعاون تستهدف تطوير الخدمات المقدمة للمصريين بالخارج، شملت التعليم، والمدفوعات الإلكترونية، والتأمين، والخدمات المصرفية.
ومن أبرزها مبادرات تتعلق بـ«اتكلم عربي»، والتوعية بالمدفوعات الإلكترونية، وبرنامج «معاشك بكرة بالدولار»، إلى جانب مبادرة تحديث البيانات البنكية للمصريين بالخارج.
وتعكس هذه الخطوات انتقال ملف المصريين بالخارج من مجرد تقديم الخدمات القنصلية إلى منظومة أوسع تشمل الخدمات المالية والتعليمية والرقمية والتأمينية.
كما عقد وزير الخارجية اجتماعًا موسعًا مع قيادات والعاملين بقطاع التعاون الدولي بالوزارة، لمتابعة سير العمل واستعراض مؤشرات التعاون الدولي ومستجدات الملفات والمشروعات، وأكد الاجتماع أهمية تطوير آليات العمل وتعزيز التنسيق بين قطاعات الوزارة المختلفة، بما يرفع كفاءة الأداء ويدعم تنفيذ أولويات السياسة الخارجية المصرية.
كما شهدت القاهرة استعدادات لعقد الدورة السابعة للجنة العليا المصرية القطرية المشتركة، حيث عقد اجتماع كبار المسؤولين التحضيري بمشاركة ممثلين عن الوزارات والجهات المعنية في البلدين.
وناقش الاجتماع ما تم إحرازه في مسارات التعاون الثنائي، إلى جانب الوثائق المقرر توقيعها خلال اجتماعات اللجنة في مدينة العلمين، وتكتسب اللجنة أهمية خاصة باعتبارها إحدى الآليات المؤسسية التي تسمح بتحويل التفاهمات السياسية بين البلدين إلى مجالات تعاون أكثر انتظامًا.
وتكشف خريطة تحركات وزارة الخارجية عن دبلوماسية تتحرك في دوائر متوازية؛ فبينما تتصدر غزة والقضية الفلسطينية وخفض التصعيد أجندة التحرك السياسي، تعمل القاهرة في الوقت نفسه على توسيع علاقاتها العربية والإفريقية والدولية.
وفي الدائرة العربية، يظهر التركيز على تعزيز التنسيق مع دول الخليج والدول العربية بشأن الأزمات الإقليمية، بالتوازي مع دفع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
أما إفريقيًا، فتواصل مصر توسيع الشراكات في مجالات التنمية والأمن ومكافحة الإرهاب، مع اهتمام خاص بمنطقة الساحل والصحراء، وعلى المستوى الدولي، تستمر القاهرة في الحفاظ على قنوات الحوار مع القوى المؤثرة، بينما تتحرك على المستوى القنصلي لتطوير الخدمات المقدمة للمصريين بالخارج.
فيمكن وصف التحرك المصري بأنه دبلوماسية متعددة المسارات؛ فلا تتحرك القاهرة في اتجاه واحد، وإنما تجمع بين إدارة الأزمات، ودعم القضية الفلسطينية، وتعزيز الأمن الإقليمي، وتوسيع الشراكات الإفريقية والعربية، وتنشيط التعاون الاقتصادي، إلى جانب رعاية المصريين بالخارج.
وفي عام الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية، يبدو التحدي الأساسي أمام الدبلوماسية المصرية هو الحفاظ على مساحة التأثير وسط بيئة إقليمية شديدة السيولة، وتحويل شبكة العلاقات والاتصالات إلى نتائج سياسية واقتصادية وأمنية تخدم المصالح المصرية.
وتبقى القاهرة عبر هذا النشاط المتواصل، حاضرة في عدد من أهم ملفات المنطقة، من غزة والقدس إلى الخليج وإفريقيا، مع استمرار الرهان على الحوار والاتصالات والحلول السياسية والدبلوماسية كأدوات رئيسية في إدارة الأزمات وحماية المصالح الوطنية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم