التغيرات المناخية أصبحت تهدد الاقتصاد والغذاء والمياه
العالم دخل مرحلة مناخية مختلفة تتطلب تحركًا أسرع
حماية البيئة لم تعد عبئًا اقتصاديًا بل فرصة للاستثمار
الاقتصاد الأخضر يمثل فرصة كبيرة لمصر في الطاقة
مستقبل المناخ يمكن وصفه بكلمة واحدة.. «اضطراب»
حوار: إبراهيم السقا
لم تعد التغيرات المناخية مجرد تحذيرات تتردد في التقارير العلمية أو على موائد المؤتمرات الدولية، بل تحولت إلى واقع متسارع يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية واقتصادات الدول، مع تزايد موجات الحر الشديدة، وحرائق الغابات، وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة.
ومع اتساع نطاق هذه التداعيات، تتجه الأنظار إلى مستقبل العالم، ومدى قدرة مصر على مواجهة آثار التغيرات المناخية، والاستفادة في الوقت نفسه من التحول نحو الاقتصاد الأخضر باعتباره أحد مسارات التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، أجرت “اليوم“ حوارًا مع الدكتور المهندس ماهر عزيز، استشاري الطاقة والبيئة وتغير المناخ، وعضو مجلس الطاقة العالمي، الذي كشف خلاله رؤيته لمستقبل المناخ، وتأثيراته على مصر والعالم، وأبرز الخطوات المطلوبة لمواجهة هذه التحديات.
■ بداية.. هل ما يحدث مجرد تقلبات طبيعية أم أننا أمام واقع جديد سيؤثر على حياة الجميع؟
نحن بالفعل أمام واقع مناخي جديد، وليس مجرد تقلبات طبيعية مؤقتة. صحيح أن الأرض شهدت تغيرات مناخية عبر تاريخها، لكن ما يحدث الآن يختلف في سرعته وحجمه، ويرتبط بصورة مباشرة بالنشاط البشري والانبعاثات الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري، وهو ما أدى إلى اختلال الأنماط المناخية التي استقرت لقرون طويلة.
■ هل أصبحت موجات الحر والفيضانات والحرائق المتكررة دليلاً واضحًا على دخول العالم مرحلة مناخية جديدة؟
نعم، دون شك التقارير العلمية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تؤكد أن تكرار موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بارتفاع حرارة الأرض. ما نشهده اليوم ليس أحداثًا منفصلة، بل نمطًا جديدًا يعكس دخول العالم مرحلة مناخية مختلفة.
■ ما الأسباب الرئيسية وراء تسارع التغيرات المناخية؟
السبب الرئيسي هو استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري في إنتاج الطاقة والصناعة ووسائل النقل، إلى جانب إزالة الغابات التي تمثل مخزنًا طبيعيًا لامتصاص الكربون. كما أن الأنشطة الزراعية والصناعية الحديثة رفعت معدلات انبعاث غازات مثل الميثان وأكسيد النيروز، بالإضافة إلى اقتراب العالم من نقاط تحول بيئية خطيرة، مثل ذوبان الجليد السرمدي، الذي يزيد من تفاقم الأزمة.

■ إلى أي مدى أصبحت التغيرات المناخية تهدد الاقتصاد العالمي وليس البيئة فقط؟ وهل يتحرك العالم بالسرعة الكافية؟
لم تعد القضية بيئية فقط، بل أصبحت قضية اقتصادية وأمنية في المقام الأول. الكوارث المناخية تدمر البنية التحتية، وتؤثر على الإنتاج الزراعي، وتعطل سلاسل الإمداد، وترفع تكاليف التأمين وإعادة الإعمار.
أما على مستوى التحرك الدولي، فما زالت الجهود أقل من المطلوب، ورغم اتفاق باريس والتعهدات الدولية، فإن العالم لم يصل بعد إلى المستوى الذي يضمن الحد من ارتفاع درجات الحرارة عند 1.5 درجة مئوية.
■ كيف تنعكس التغيرات المناخية على مصر بشكل مباشر؟
مصر من أكثر الدول تأثرًا بالتغيرات المناخية رغم محدودية مساهمتها في الانبعاثات العالمية والتأثيرات تظهر في الأمن المائي، وتراجع إنتاجية بعض المحاصيل، وارتفاع درجات الحرارة داخل المدن، وزيادة استهلاك الكهرباء، بالإضافة إلى التأثيرات على الشعاب المرجانية في البحر الأحمر.
■ ما حجم تحدي ارتفاع مستوى سطح البحر على المناطق الساحلية خاصة دلتا النيل؟
يمثل هذا الملف تحديًا استراتيجيًا كبيرًا، لأن دلتا النيل تضم كثافة سكانية وزراعية مرتفعة، واستمرار ارتفاع مستوى سطح البحر قد يؤدي إلى تآكل الشواطئ، وغمر بعض الأراضي المنخفضة، وتداخل المياه المالحة مع المياه الجوفية، وهو ما يهدد خصوبة الأراضي الزراعية، لذلك فإن حماية السواحل والتخطيط الساحلي المستدام أصبحا ضرورة وليس خيارًا.

■ هل يمكن أن تؤثر التغيرات المناخية على إنتاج الغذاء وأسعاره وفرص الاستثمار؟
بالتأكيد انخفاض إنتاجية المحاصيل نتيجة الحرارة والجفاف ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء ويهدد الأمن الغذائي، وفي الوقت نفسه، أصبحت الاستثمارات العالمية تتجه نحو الدول التي تطبق معايير الاستدامة، وهو ما يجعل التحول إلى الاقتصاد الأخضر ضرورة لجذب الاستثمارات وتحقيق النمو.
■ كيف تتوقع شكل الحياة في مصر خلال العشرين عامًا المقبلة إذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع؟
سنشهد صيفًا أطول وأكثر حرارة، وسيتطلب ذلك إعادة تنظيم أنماط العمل والحياة. كما ستتوسع الزراعة الذكية مناخيًا، وسيزداد الاعتماد على تحلية مياه البحر، وستصبح المدن الخضراء والتخطيط العمراني المستدام جزءًا أساسيًا من مواجهة التغيرات المناخية.

■ هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى فرصة؟ وهل تمتلك مصر المقومات لذلك؟
نعم، وبقوة مصر تمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر. كما توجد فرص واعدة في تحلية المياه بالطاقة المتجددة، وإعادة التدوير، والاقتصاد الأخضر بشكل عام.
■ ما أبرز الخطوات التي يجب أن تبدأ بها الحكومات الآن؟
الأولوية يجب أن تكون للتوسع في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، والاستثمار في مشروعات التكيف المناخي، وحماية السواحل، وتطوير نظم الري والزراعة، مع توفير التمويل الأخضر وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المشروعات المستدامة.
■ ما أكبر معلومة خاطئة منتشرة عن التغيرات المناخية؟
أكبر خطأ هو الاعتقاد بأن التغير المناخي مشكلة تخص المستقبل فقط، والحقيقة أننا نعيش آثارها بالفعل، كما أن حماية البيئة لا تتعارض مع التنمية الاقتصادية، بل أصبحت أحد أهم محركات النمو وخلق فرص العمل في العالم.
■ أخيرًا.. لو طُلب منك وصف مستقبل المناخ بكلمة واحدة؟
“اضطراب” وإذا لم يتحرك العالم بوتيرة أسرع، فقد يتحول هذا الاضطراب إلى أزمة أكثر تعقيدًا خلال العقود المقبلة.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم