قنا – بهاء عمران
في قلب مدينة قوص بمحافظة قنا، يقف الجامع العمري شاهدًا حيًّا على عراقة الحضارة الإسلامية في صعيد مصر، جامعًا بين التاريخ والعبادة والفن المعماري، ومحتفظًا بين جدرانه بعناصر أثرية تنتمي إلى عصور فاطمية وأيوبية ومملوكية، فضلًا عن تجديدات وإضافات لاحقة أسهمت في تشكيل ملامحه الحالية.
يُعد الجامع العمري من أشهر وأقدم المساجد بمدينة قوص، وتعود تسميته إلى الجامع العمري بالفسطاط، أقدم مساجد مصر، ويرجع تاريخ إنشاء الجامع، وفق ما تذكره المصادر الأثرية والتاريخية ، إلى العصر الفاطمي سنة 473هـ، وقد شهد الجامع عبر تاريخه أعمال تجديد وتطوير متعددة أضافت إلى ملامحه تنوعًا معماريًّا وفنيًّا لافتًا.
ومن أبرز التحف التي يحتفظ بها الجامع المنبر المؤرخ بسنة 550هـ، والذي أمر بإنشائه الصالح طلائع، وزير الخليفة الفاطمي الفائز بنصر الله.
يُعد المنبر من أقدم المنابر المؤرخة في مصر، وهو مصنوع من خشب الساج الهندي، ومزخرف بالحفر البارز والحشوات المجمعة، في نموذج بديع لفنون النجارة والزخرفة الإسلامية في العصر الفاطمي، وقد سُجل تاريخ إنشاء المنبر في لوحة تذكارية فوق بابه، كُتبت بالخط الكوفي المزهر، لتوثق هذه التحفة الفنية للأجيال المتعاقبة، وفي منتصف البائكة الثالثة بإيوان القبلة، يوجد محراب يرجع إلى العصر المملوكي، وقد زخرفت واجهته بزخارف جصية بديعة تجمع بين العناصر النباتية والهندسية، في تكوين فني يعكس دقة الصنعة وجماليات الفن الإسلامي.
ويحيط بالمحراب شريط كتابي بالخط الثلث المملوكي، كما تزدان طاقية المحراب بآيات قرآنية، بما يجمع بين جمال الخط العربي وروعة التكوين الزخرفي، وإلى جوار المحراب توجد مقصورة خشبية مملوكية ذات قيمة فنية كبيرة، تتميز بأعمال الخرط والحشوات السداسية والزخارف المحفورة، ويضم داخلها كرسي مصحف مصنوعًا من الخشب بأسلوب الحشوات المجمعة، ومطعمًا بالعاج والصدف، وتحيط به كتابة بالخط النسخ المملوكي تتضمن آية الكرسي ونصًا تذكاريًّا، وفي الركن الشمالي الشرقي من الجامع توجد قبة منفصلة عن المسجد، تمثل أحد العناصر المعمارية المهمة في المكان.
وتقوم القبة على أربعة عقود تعلوها المقرنصات، بما يحول المسقط المربع إلى مثمن أُقيمت فوقه القبة، بينما تبدو من الخارج مضلعة، وتتخلل أضلاعها فتحات على هيئة نجوم سداسية، وترجع هذه القبة إلى العصر الأيوبي سنة 568هـ، عندما أنشأها مقلد بن علي بن نصر، كما جدد بعض أجزاء الجامع، وهو ما وثقته لوحة رخامية مثبتة في نهاية الجدار الشرقي.
ويتميز الجامع العمري بقوص بكثرة اللوحات التذكارية والنقوش التاريخية التي توثق مراحل الإنشاء والتجديد والإصلاح التي مر بها عبر العصور، وتسجل هذه اللوحات أعمالًا تعود إلى العصر الفاطمي، مرورًا بالتجديدات التي تمت في العصر الأيوبي، وصولًا إلى العمارة التي أجراها الأمير محمد بك قهوجي سنة 1233هـ/1817م، والتي شملت إعادة تصميم عدد من عقود إيوان القبلة وإجراء تعديلات على المئذنة، وهو ما أدى إلى تغير بعض ملامح الجامع الأصلية.
وذكر الباحث الفرنسى جان كلود جرسان، فى كتابه “قوص مركز إسلامى لصعيد مصر”، يذكر بالتفصيل كم اللوحات والكتابات التى يعج المسجد بها، بل إن متحف الفن الإسلامى يمتلك لوحة من الخشب من بقايا لوحتين كانتا بالمسجد مثبتة على جدران المحراب الجصى المملوكى وكانت مكتوبة بالخط الكوفى ومؤرخة بسنة 473 هـ، ونصها الآية الشريفة “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر”.
كما توجد لوحة تذكارية أخرى على باب الميضأة، ارتبطت باسم المقرئ الشيخ الصالح جمال الدين محمد الناجي، وسُجل عليها تاريخ وفاته سنة 717هـ.
سجل معماري حي عبر القرون
ولا تكمن أهمية الجامع العمري بقوص في قدمه فحسب، وإنما في كونه يحتفظ بعناصر معمارية وفنية توثق تعاقب الحضارات والفنون الإسلامية عليه؛ فمن العصر الفاطمي يأتي المنبر المؤرخ والملامح الأولى للجامع، ومن العصر الأيوبي تأتي القبة وأعمال التجديد، ومن العصر المملوكي يبرز المحراب والمقصورة وكرسي المصحف، ثم جاءت التجديدات اللاحقة لتضيف طبقات جديدة إلى تاريخه المعماري.
وقد أسهمت أعمال التجديد والإصلاح التي شهدها الجامع على مدار تاريخه في تغيير بعض ملامحه الأصلية، مع بقاء عدد من عناصره الأثرية والفنية شاهدًا على العصور التي تعاقبت عليه.
وهكذا، أصبح الجامع العمري بقوص أكثر من مجرد مسجد عتيق؛ فهو ذاكرة معمارية مفتوحة تحفظ بين جنباتها تاريخ مدينة قوص، وتروي من خلال الحجر والخشب والزخارف والخطوط حكاية قرون متعاقبة من الإبداع الإسلامي.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم