أسيوط / حسنى الأكرادى
في إطار توجيهات معالي الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، وزير الأوقاف، بشأن إعمار بيوت الله تعالى ماديًا ومعنويًا، وتعزيز رسالة المسجد في بناء الإنسان وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، افتتح فضيلة الدكتور عيد علي خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، اليوم الجمعة الموافق 28 أغسطس 2026م، مسجد «عبد الكريم بكر» بقرية الخُوَطَا الشرقية بمركز ديروط، والتابع لإدارة أوقاف ديروط جنوب، وذلك بحضور عدد من قيادات الدعوة وأهالي القرية ورواد المسجد.
رافق فضيلة وكيل الوزارة خلال الافتتاح فضيلة الشيخ ناصر محمد السيد علي، مدير المتابعة بمديرية أوقاف أسيوط، وفضيلة الشيخ عبد الباقي عبد الغني محمد، مدير إدارة أوقاف ديروط جنوب، حيث تفقد فضيلته المسجد، واطلع على ما تم من أعمال التجهيز والإعداد، مؤكدًا أهمية المحافظة على بيوت الله تعالى والعناية بها، وإظهارها بالصورة التي تليق بمكانتها وقدسية رسالتها.
ويأتي افتتاح المسجد في إطار ما توليه وزارة الأوقاف من اهتمام متواصل بإعمار المساجد وإنشائها وإحلالها وتجديدها، بما يجمع بين جودة البناء وحسن التجهيز من ناحية، وعمارة المساجد بالعبادة والعلم والذكر من ناحية أخرى، انطلاقًا من أن المسجد ليس مجرد بناء تُقام فيه الشعائر، بل هو منارة للعلم والوعي، وميدان لبناء الإنسان، وترسيخ مكارم الأخلاق، وتعزيز قيم الرحمة والتراحم والتكافل بين أفراد المجتمع.
وأكد فضيلة الدكتور عيد علي خليفة أن عمارة بيوت الله تعالى من أجلِّ القربات، وأن العناية بالمساجد لا تقتصر على تشييد جدرانها أو تحسين مرافقها، وإنما تمتد إلى عمارتها بالمصلين، وإحيائها بالعلم والذكر والعبادة، وتفعيل رسالتها في إصلاح الفرد والمجتمع.
وأشار فضيلته إلى أن وزارة الأوقاف، بقيادة معالي الأستاذ الدكتور أسامة السيد الأزهري، تعمل على ترسيخ رسالة المسجد باعتباره أحد أهم روافد بناء الوعي، من خلال الارتقاء بالخطاب الديني، وتأهيل الأئمة، وتكثيف الأنشطة الدعوية والتثقيفية، ونشر الفكر الوسطي المستنير، وتصحيح المفاهيم، وتعميق القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره.
وعقب افتتاح المسجد، أدى فضيلة الدكتور عيد علي خليفة صلاة الجمعة، وألقى خطبة بعنوان: «نبي الرحمة ﷺ»، تناول خلالها مظاهر الرحمة المحمدية وشمولها، مؤكدًا أن الرحمة كانت جوهر الرسالة المحمدية، وأن النبي ﷺ جسّد الرحمة في أقواله وأفعاله ومعاملاته، حتى شهد القرآن الكريم بعالمية رحمته، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وأوضح فضيلته أن النبي ﷺ كان أرحم الخلق بالخلق، وأن رحمته لم تكن مقصورة على فئة دون أخرى، بل شملت الصغير والكبير، والضعيف والمحتاج، وأهل بيته وأصحابه، بل امتدت إلى المخالفين والأعداء، وإلى الحيوان وسائر مخلوقات الله تعالى.
وبيّن أن الله سبحانه وتعالى أثنى على رفق نبيه ﷺ ولين جانبه، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، مؤكدًا أن هذه الآية تكشف جانبًا عظيمًا من شخصية النبي ﷺ؛ فقد جمع الله له كمال الخُلُق، ورقة القلب، وحسن المعاملة، والقدرة على احتواء الناس بالحكمة والرفق.
وتناول فضيلته جمال رحمته ﷺ بالصغار والضعفاء وأهل بيته، مستشهدًا بما عُرف عنه من قربه من الأطفال، ورأفته بهم، وحمله أمامة بنت زينب رضي الله عنها في الصلاة، وتخفيفه الصلاة عند سماع بكاء الصبي شفقة على أمه، وسلامه على الصبيان تواضعًا ورحمة، إلى جانب ما كان عليه ﷺ من خدمة أهله ومعاونتهم في شؤون بيتهم.
وأكد أن الرحمة النبوية لم تكن مجرد مشاعر عابرة، وإنما كانت خلقًا عمليًا ومنهجًا متكاملًا، ولذلك قال ﷺ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»، مبينًا أن المجتمع الذي تسوده الرحمة هو مجتمع أقرب إلى الاستقرار والتماسك، وأن القسوة لا تصنع إنسانًا صالحًا ولا أسرة مستقرة ولا مجتمعًا متماسكًا.
وانتقل فضيلته إلى بيان سمو أخلاق النبي ﷺ مع المخالفين والأعداء، موضحًا أن رحمته ﷺ ظهرت في عفوه وصفحه، وأنه لم يكن ينتقم لنفسه، بل كان يفرق بين الخطأ وصاحبه، فيعالج الخطأ بالحكمة، ويحفظ للإنسان كرامته.
وأشار فضيلته إلى ما كان عليه النبي ﷺ من التيسير ورفع الحرج، مستشهدًا بقوله ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، مؤكدًا أن الرفق والرحمة لا يعنيان التنازل عن الحق، وإنما يعنيان الوصول إلى الحق بأحسن الوسائل وأقومها.
كما استحضر فضيلته موقف النبي ﷺ يوم فتح مكة، حين قدر على من آذوه وحاربوه، فلم يجعل النصر وسيلة للانتقام، وإنما جعل منه بابًا للعفو والصفح، فقال لهم: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»، في مشهد خالد يكشف عظمة الخُلُق المحمدي وسمو الرحمة في أرقى صورها.
وتناول فضيلته كذلك رحمة النبي ﷺ بالحيوان وسائر مخلوقات الله، مبينًا أن رحمته لم تكن قاصرة على الإنسان، بل شملت كل ذي روح، مستشهدًا بما ورد في السنة من النهي عن تعذيب الحيوان وإيذائه، وقصة المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها، والرجل الذي غفر الله له بعدما سقى كلبًا اشتد به العطش.
وأكد فضيلته أن من أراد الاقتداء بالنبي ﷺ فعليه أن يجعل الرحمة سلوكًا يوميًا، وأن تظهر في تعامله مع أسرته وجيرانه وزملائه ومرؤوسيه، وفي معاملته للضعيف والمحتاج، وفي حواره مع المخالف، وفي رعايته للحيوان والبيئة وكل ما حوله، مشيرًا إلى قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ».
وفي الخطبة الثانية، أوضح فضيلة الدكتور عيد علي خليفة كيف أثمرت الرحمة النبوية شجرة طيبة امتدت آثارها في حياة الأمة، فتحولت الرحمة من خلق فردي إلى منهج حضاري أسهم في بناء مجتمع يقوم على التكافل ورعاية الضعفاء وإغاثة المحتاجين، وإنشاء الأوقاف ودور الرعاية والمشافي وسائر صور البر والإحسان.
وشدد فضيلته على أن محبة النبي ﷺ ينبغي ألا تبقى مجرد كلمات تُقال، أو مشاعر تُعبَّر عنها، وإنما يجب أن تتحول إلى عمل وسلوك، وأن يكون المسلم رحيمًا في بيته، رفيقًا في عمله، أمينًا في معاملاته، جابرًا للخواطر، حافظًا لحقوق الناس، ناشرًا للخير والسلام.
واختتم فضيلته خطبته بالتأكيد على أن الاقتداء الحقيقي بالنبي ﷺ هو أن يحمل المسلم من هديه قدر استطاعته، وأن يجعل الرحمة عنوانًا لحياته، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وبقول النبي ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
وأكد فضيلته أن افتتاح مسجد جديد ليس مجرد إضافة إلى خريطة المساجد، وإنما هو إضافة إلى مسيرة إعمار بيوت الله تعالى، وفرصة جديدة ليظل المسجد منارة للعبادة والعلم والوعي، ومركزًا لصناعة الإنسان الذي يعرف ربه، ويحب نبيه ﷺ، ويحسن إلى الناس، ويحمل الخير لمجتمعه ووطنه.
وقد شهد المسجد عقب افتتاحه أداء صلاة الجمعة وإلقاء الخطبة، وسط حضور كبير من أهالي قرية الخُوَطَا الشرقية ورواد المسجد، الذين عبّروا عن سعادتهم بافتتاح المسجد، مؤكدين أن صرحًا جديدًا من صروح العبادة والعلم قد أضيف إلى القرية، ليكون بيتًا من بيوت الله، ومنارةً للقرآن والسنة، وميدانًا للخير والإصلاح وخدمة أبناء المجتمع.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم