أسبوعان على مائدة الدبلوماسية المصرية.. القاهرة تتحرك لإطفاء حرائق الإقليم وحماية المصالح الوطنية

 

 

كتبت:أميرة عمارة

من غزة إلى السودان.. ومن البحر الأحمر إلى أفريقيا اتصالات مكثفة وبيانات حاسمة تعكس سياسة مصرية تقوم على التهدئة دون التفريط في الثوابت.

 

لم يكن الأسبوعان الأخيران مجرد فترة جديدة في أجندة وزارة الخارجية المصرية، بل شهدا حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا على عدد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة.

 

فبينما تتواصل الحرب في غزة، وتتزايد المخاطر المحيطة بالسودان والقرن الأفريقي، وتبقى منطقة البحر الأحمر تحت ضغط التطورات الإقليمية، واصلت القاهرة تحركها عبر سلسلة من الاتصالات والبيانات واللقاءات، في محاولة للحفاظ على مساحة للحلول السياسية، ومنع انتقال الأزمات إلى دوائر أوسع.

 

وفي قراءة لتحركات وزارة الخارجية، يبرز اتجاه واضح مصر لا تكتفي بإعلان مواقفها، وإنما تتحرك دبلوماسيًا لتثبيت هذه المواقف على أرض الواقع.

كان الملف الفلسطيني حاضرًا بقوة في تحركات الخارجية المصرية خلال الأسبوعين.

وفي 20 أغسطس، صدر بيان مشترك لمصر وقطر وتركيا، بصفتها دولًا وسيطة، بشأن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، في تحرك يعكس استمرار الدور المصري في جهود الوساطة ومحاولة احتواء التصعيد. كما أعلنت القاهرة في اليوم نفسه إدانتها للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي E1، محذرة من تداعياته على وحدة الأراضي الفلسطينية وعزل القدس الشرقية.

وتحمل قضية E1 أهمية خاصة بالنسبة للقاهرة، باعتبار أن أي خطوات تؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية تمثل تهديدًا مباشرًا لإمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وهنا يظهر أحد أبرز ثوابت السياسة المصرية وقف الحرب، حماية المدنيين، إدخال المساعدات الإنسانية، ورفض أي محاولة لفرض واقع جديد على الأراضي الفلسطينية.

إلى جانب غزة، واصلت القاهرة اهتمامها بالقدس والمقدسات.

ويأتي ذلك امتدادًا للموقف المصري الذي ظهر بوضوح خلال الاجتماع الوزاري الخاص بالقدس في العاصمة الأردنية عمّان، والذي أكد أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة ومقدساتها.

وتشير تحركات الخارجية إلى أن القاهرة تنظر إلى ملف القدس باعتباره جزءًا أساسيًا من أي تسوية سياسية شاملة للقضية الفلسطينية، وليس ملفًا منفصلًا عن مستقبل عملية السلام.

على الضفة الأخرى من الخريطة الإقليمية، ظل السودان حاضرًا بقوة في التحرك المصري.

ففي 28 أغسطس، أجرى وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي اتصالًا هاتفيًا مع وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، لبحث تطورات الأوضاع في السودان والعلاقات الثنائية بين البلدين.

كما شهدت الفترة نفسها تحركًا مصريًا رفيع المستوى تجاه السودان، حيث حمل السفير المصري في الخرطوم رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، تضمنت التأكيد على استمرار دعم مصر للسودان الشقيق.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ضوء موقع السودان الجغرافي وعلاقته المباشرة بالأمن القومي المصري، فضلًا عن ارتباطه بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الرسالة المصرية تبدو واضحة دعم الدولة السودانية ووحدتها وسيادتها، مع دعم المسار الذي يقود إلى إنهاء الأزمة سياسيًا.

 

لم تتوقف تحركات القاهرة عند الملفات العربية والأفريقية.

ففي 26 أغسطس أجرى وزير الخارجية اتصالًا مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، تناول العلاقات المصرية الروسية وعددًا من القضايا الإقليمية والدولية.

وتحمل العلاقات مع موسكو أهمية استراتيجية بالنسبة للقاهرة، خصوصًا في ظل المشروعات الاقتصادية الكبرى والتعاون في مجالات الطاقة والاستثمار، وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وبذلك تتحرك الدبلوماسية المصرية في اتجاهين متوازيين إدارة الأزمات السياسية من ناحية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية من ناحية أخرى.

ومن اللافت اتساع دائرة الاتصالات المصرية لتشمل عددًا كبيرًا من العواصم، فقد شهد يوم 22 أغسطس سلسلة من الاتصالات مع وزراء خارجية فلسطين والهند وجيبوتي وإيران وعُمان واليونان، إلى جانب اتصالات أخرى خلال الأيام التالية مع السودان وروسيا ودول أخرى.

وهذا النشاط يعكس نمطًا واضحًا في السياسة الخارجية المصرية يقوم على الحوار مع أطراف متعددة في الوقت نفسه، بدل حصر التحرك في محور واحد.

وتبدو أهمية هذا النهج في قدرة القاهرة على الاحتفاظ بقنوات اتصال مفتوحة مع أطراف مختلفة، وهو ما يمنحها مساحة أكبر للتحرك عندما تتصاعد الأزمات.

و عقدت وزارة الخارجية اجتماعًا تنسيقيًا مع المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا لبحث تطوير التعاون ودعم العلاقات المصرية الأفريقية والاستفادة من الإمكانات والخبرات المتاحة.

كما انطلقت فعاليات النسخة الرابعة من البرنامج التدريبي لطلاب الجامعات حول موضوعات السلم والأمن في أفريقيا، بمشاركة 32 طالبًا وطالبة من 14 جامعة مصرية.

ويعكس البرنامج توجهًا يتجاوز إدارة الملفات الحالية إلى إعداد كوادر مصرية قادرة على التعامل مع قضايا القارة مستقبلًا، مع التركيز على أدوات الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية والتنموية.

 

ومن الملفات اللافتة أيضًا تعزيز التنسيق بين وزارة الخارجية والمؤسسات الاقتصادية المصرية.

فقد استقبل الوزير بدر عبد العاطي وزير المالية، وعقدا لقاءً مع السفراء المنقولين للعمل بالخارج، في إطار دعم التحرك المصري الاقتصادي والمالي عبر البعثات الدبلوماسية.

ويؤكد ذلك أن دور السفارات المصرية لم يعد مقتصرًا على العمل السياسي التقليدي، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر بجذب الاستثمارات، ودعم الشركات المصرية، وفتح الأسواق الخارجية أمام الاقتصاد المصري.

المواطن المصري في الخارج.. الدبلوماسية وجه آخر للوزارة

وفي الوقت الذي تتصدر فيه الملفات السياسية عناوين الأخبار، تستمر الخارجية في أداء دورها القنصلي تجاه المصريين بالخارج.

وهذا الجانب يمثل جزءًا أساسيًا من عمل الوزارة، سواء من خلال متابعة أوضاع المواطنين، أو تقديم الخدمات القنصلية، أو التدخل في الحالات الطارئة.

وتفقد وزير الخارجية عددًا من قطاعات الوزارة بالعاصمة الجديدة، من بينها القطاع القنصلي وقطاع المصريين بالخارج والإدارة القضائية، في إطار متابعة جودة الأداء المؤسسي.

فالقاهرة تتحرك على 4 مسارات في وقت واحد

أولًا: مسار سياسي

يركز على غزة والقدس والسودان ومنع اتساع رقعة الصراعات.

ثانيًا: مسار إقليمي

يعتمد على الاتصالات المباشرة مع الدول العربية والأفريقية والقوى الدولية.

ثالثًا: مسار اقتصادي

يعمل على تحويل العلاقات الخارجية إلى فرص استثمار وتجارة وشراكات تنموية, يهتم بحماية المصريين بالخارج ورفع كفاءة أداء الوزارة وبعثاتها.

وبينما يبدو المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، تحاول القاهرة أن تحافظ على معادلة دقيقةالتهدئة دون التراجع عن الثوابت.. الحوار دون التفريط في المصالح.. والانفتاح على الجميع دون الانخراط في محاور مغلقة.

وهكذا، يمكن وصف الأسبوعين الأخيرين بأنهما أسبوعان من الدبلوماسية المصرية تحت الضغط؛ حيث تتحرك القاهرة في أكثر من اتجاه، من غزة والسودان إلى أفريقيا وروسيا، واضعةً في مقدمة تحركاتها هدفًا واحدًا: حماية المصالح المصرية والحفاظ على استقرار الإقليم، مع إبقاء باب الحلول السياسية مفتوحًا.

اترك رد