التضخم يهدد الحقوق.. والعنف يهدد الأمان.. والذكاء الاصطناعي يختبر الهوية.. ماذا قال مؤتمر الإفتاء؟

لم تعد أزمات الأسرة تبدأ وتنتهي عند حدود الخلاف بين زوج وزوجة، أو عند مشكلة مالية عابرة؛ فـ«البيت» اليوم يقف في مواجهة منظومة متشابكة من الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والتكنولوجية، بعضها ظاهر للعيان، وبعضها يتسلل إلى العلاقات اليومية في صمت.

ومن هنا اكتسبت الجلسة العلمية الخامسة من المؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء أهمية خاصة، بعدما فتحت نقاشًا واسعًا حول مستقبل الأسرة في ظل التحولات الكبرى، تحت عنوان: «التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتحولات القيمية والنفسية – تحديات البناء والمعالجة»، لتضع أمام المشاركين سؤالًا جوهريًّا: كيف يمكن أن تنتقل الفتوى من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى الوقاية منها قبل أن تهدد استقرار الأسرة؟

الجلسة، التي ترأسها الأستاذ الدكتور أحمد الشرقاوي، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، وشارك في التعقيب عليها الأستاذ الدكتور يوشار شريف، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة أرسطوطاليس شمال اليونان، بدت أشبه بخريطة متعددة الاتجاهات لأزمات الأسرة المعاصرة؛ فكل بحث تناول جانبًا مختلفًا، لكن الخيط الناظم بينها جميعًا كان واضحًا: حماية الإنسان والأسرة قبل أن تتحول الضغوط إلى أزمات يصعب احتواؤها.

حين يصبح الاقتصاد اختبارًا للعلاقة الزوجية

في كثير من البيوت، لا يظهر التضخم في صورة أرقام اقتصادية مجردة، وإنما يتحول إلى ضغوط يومية تمس تفاصيل الحياة، وتعيد تشكيل أولويات الأسرة، وقد تمتد آثاره إلى الحقوق المالية بين الزوجين.

ومن هذه الزاوية جاء بحث القاضي علاء صبري صابر عمار، رئيس محكمة الاستئناف، حول «أثر التضخم النقدي الحاد في الوفاء بالمهر المؤجل.. دراسة فقهية مقاصدية»، ليطرح واحدة من المسائل التي تبدو مالية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تمس العدالة الأسرية واستقرار العلاقة الزوجية.

فالمهر المؤجل قد يبقى لسنوات طويلة حتى يحين وقت استحقاقه بالطلاق أو الوفاة، وخلال هذه الفترة قد تتغير القوة الشرائية للنقود بصورة كبيرة، بحيث لا تعود القيمة الاسمية للمبلغ تعكس القيمة التي كان يمثلها عند الاتفاق عليه.

وهنا تبرز المعضلة: كيف يمكن الحفاظ على حق الزوجة دون تحميل الزوج ما لا يحتمل؟

البحث لم يتعامل مع المسألة باعتبارها مجرد معادلة مالية، وإنما حاول مقاربتها من منظور فقهي مقاصدي يوازن بين الحقوق والواجبات، ويبحث عن معالجة تحقق العدالة وتمنع الضرر عن الطرفين.

ومن بين البدائل المطروحة ربط قيمة المهر المؤجل بمؤشرات اقتصادية، مثل الرقم القياسي لأسعار المستهلك، أو مؤشرات أخرى كالذهب أو العملات الأجنبية المعتمدة، في محاولة للوصول إلى صيغة تحفظ القيمة الحقيقية للحق دون الخروج عن الضوابط الشرعية.

وهنا تبدو الرسالة الأوسع: الفقه لا ينفصل عن واقع الناس، والفتوى مطالبة بأن ترى ما تفعله التحولات الاقتصادية داخل البيت، لا أن تتعامل معها كأرقام بعيدة عن حياة الأسر.

المودة والرحمة.. ما وراء لغة الحقوق

وفي قلب هذه التحولات، يعود المؤتمر إلى الأساس الذي قامت عليه الأسرة في التصور الإسلامي: المودة والرحمة.

وفي كلمته خلال افتتاح الجلسة، استحضر الأستاذ الدكتور أحمد الشرقاوي قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، موضحًا أن الحياة الزوجية لا يمكن اختزالها في قائمة من الحقوق والالتزامات المادية.

فالمودة تصنع مساحة القرب، والرحمة تمنح العلاقة قدرة على تجاوز لحظات الضعف والاختلاف.

ومن هنا تصبح حماية الأسرة أكبر من مجرد تطبيق القواعد؛ إنها أيضًا بناء ثقافة أسرية تجعل الزوجين أكثر قدرة على التفهم والحوار والتسامح، وتمنع تحول الخلاف الطبيعي إلى صراع دائم.

عندما يتحول العنف إلى مشكلة «داخل العقل»

لكن الأزمات الاقتصادية ليست وحدها التي تهدد الأسرة.

ففي زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال، أصبح العنف يأخذ صورًا جديدة، ولم يعد محصورًا في الاعتداء الجسدي أو اللفظي، بل امتد إلى العالم الرقمي، حيث يمكن أن يتحول الهاتف أو المنصة الإلكترونية إلى مساحة للضغط والإيذاء والسيطرة.

وهنا جاءت دراسة الدكتورة ناهد علي محمود بدران، مدرس علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، حول «الوظائف التنفيذية العصبية والدور الوقائي للفتوى في الحد من العنف الأسري والرقمي»، لتربط بين علم النفس العصبي والدور الوقائي للفتوى.

وتبحث الدراسة في تأثير قصور بعض الوظائف التنفيذية، مثل القدرة على التثبيط والمرونة المعرفية والتنظيم الانفعالي، على السلوكيات العدوانية، مقدمة تصورًا يتجاوز التعامل مع العنف بعد حدوثه إلى محاولة فهم عوامله والوقاية منه.

وهنا تظهر فكرة لافتة: ماذا لو أصبحت الفتوى جزءًا من منظومة الوقاية، لا مجرد أداة للإجابة عن السؤال بعد وقوع المشكلة؟

الدراسة تقترح أن الفتوى الوقائية، المستندة إلى مقاصد الشريعة، يمكن أن تسهم في تعزيز الضبط المعرفي والحد من أثر بعض جوانب القصور التنفيذي على السلوك العنيف، مع الدعوة إلى تدريب المفتين على أساسيات علم النفس العصبي.

إنها محاولة لإعادة تعريف وظيفة الفتوى في المجتمع: من إجابة منفردة إلى وعي استباقي يساعد الإنسان على فهم نفسه وضبط سلوكه قبل أن يتحول الغضب إلى عنف والأسرة إلى ساحة صراع.

جيل ألفا.. حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى تشكيل الهوية

وإذا كان الاقتصاد والعنف يمثلان تحديات راهنة، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح بابًا آخر أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يكبر جيل كامل وهو يتفاعل يوميًّا مع آلات قادرة على الحوار والتأثير والإقناع وإنتاج المحتوى؟

هذا السؤال كان محور بحث الدكتور أشرف رجب حسن إبراهيم شوك، مدرس علم النفس التعليمي والإحصاء التربوي بجامعة الأزهر، حول دور القلق الوجودي كمتغير وسيط في العلاقة بين أنماط التفاعل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي والهوية الأخلاقية لدى جيل ألفا.

واللافت في الدراسة أنها لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية محايدة فحسب، وإنما تبحث في الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان معها، وتأثير هذا التفاعل في الجانب النفسي والأخلاقي.

فقد أظهرت النتائج ارتباط النمطين الاعتمادي والوجداني بارتفاع القلق الوجودي وانخفاض الهوية الأخلاقية، في حين ارتبط النمطان النقدي والاستكشافي بانخفاض القلق الوجودي وارتفاع الهوية الأخلاقية.

وهنا تبرز القضية الأهم: المشكلة ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في الطريقة التي نستخدمه بها.

فحين يصبح الطفل أو المراهق معتمدًا بصورة مفرطة على الآلة في التفكير والاختيار والحكم، قد تتراجع تدريجيًّا قدرته على بناء موقفه المستقل. أما الاستخدام النقدي والاستكشافي، فيمكن أن يجعل التقنية أداة للتعلم واكتشاف المعرفة بدلًا من أن تتحول إلى بديل عن العقل.

من «فقه الأزمة» إلى «فقه الوقاية»

وعند جمع خيوط الجلسة العلمية الخامسة، تتضح صورة أوسع بكثير من مجرد مجموعة أبحاث متخصصة.

فالتضخم يختبر العدالة داخل الأسرة، والعنف يختبر قدرتها على حماية أفرادها، والذكاء الاصطناعي يختبر قدرتها على الحفاظ على الهوية الأخلاقية للأجيال الجديدة.

ثلاثة ملفات مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: كيف نحمي الأسرة قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار؟

وهنا تبرز فلسفة المؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء في الانتقال من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»؛ أي ألا تنتظر المؤسسات الدينية والاجتماعية ظهور المشكلة، وإنما تستشرف التحولات التي قد تنتج عنها أزمات مستقبلية، وتعمل على بناء وعي قادر على مواجهتها.

إنها مقاربة تجعل الفتوى أكثر اتصالًا بالواقع، وتفتح الباب أمام تعاون حقيقي بين العلوم الشرعية والنفسية والاجتماعية والتربوية والتكنولوجية.

الأسرة ليست جزيرة معزولة

تكشف الجلسة العلمية الخامسة أن الأسرة لا تعيش بمعزل عن العالم من حولها؛ فما يحدث في الاقتصاد يصل إلى غرفة المعيشة، وما يحدث في التكنولوجيا يدخل إلى يد الطفل، وما يحدث في الصحة النفسية قد يتحول إلى سلوك داخل البيت.

لذلك فإن حماية الأسرة لم تعد مسؤولية الواعظ أو المفتي وحده، ولا مسؤولية الزوجين فقط، وإنما أصبحت مشروعًا مجتمعيًّا متكاملًا يحتاج إلى وعي ديني، ودعم نفسي، وفهم اجتماعي، وإدراك اقتصادي، وثقافة رقمية وأخلاقية.

وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأبرز التي خرجت بها هذه الجلسة أن بناء الأسرة لا يبدأ عندما تقع الأزمة، بل قبل ذلك بكثير؛ يبدأ من وعي الزوجين بحقوقهما وواجباتهما، ومن قدرة الأب والأم على احتواء أبنائهما، ومن تعليم الجيل الجديد كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يسمح لها بأن تعيد تشكيل إنسانيته.

ففي عالم تتغير فيه الأدوات بسرعة، تظل المعركة الحقيقية هي الحفاظ على الإنسان داخل الأسرة.. وعلى الأسرة داخل المجتمع.

احمد فؤاد عثمان محرر أخبار [ الملف الديني ] { وزارة الأوقاف و دار الإفتاء المصرية }

اترك رد