عصام عمران يكتب: «مصر السيسي».. علاقات متوازنة فى أجواء ملتهبة!

الرئيس عبد الفتاح السيسي، من الزعماء القلائل إن لم يكن الوحيد الذى تربطه علاقات قوية ومتوازنة مع معظم قادة ورؤساء مختلف بلدان العالم شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا، رغم الأجواء الملتهبة التي يعيشها العالم خلال السنوات الأخيرة؛ نظرًا لتعامل «مصر السيسي» بشرف فى زمن عز فيه الشرف وحرصها أن تكون على مسافة واحدة مع الأطراف كافة بعيدًا عن سياسة الاستقطاب والمحاور، وهو ما جعلها موضع ثقة واحترام الجميع  .

 

فمصر تتبع خلال العقد الأخير سياسة خارجية رشيدة، تحافظ على الأمن القومي المصري والمصالح الاستراتيجية العليا وتستعيد القوة والتأثير المصري الكبير على المستويات كافة، وحماية كيانات الدول العربية والانفتاح الجاد على دول القارة الإفريقية وكذلك مع دول آسيا وأوروبا والأمريكتين.

 

ومن هذا المنطلق شهدت السياسة الخارجية المصرية نشاطًا مكثفًا على مدار 12 عامًا، بهدف الحفاظ على المصالح الوطنية وتحقيق التوازن والتنوع فى علاقاتها مع مختلف دول العالم شرقًا وغربًا وفتح آفاق جديدة للتعاون على أسس من مبادئ السياسة المصرية القائمة على تعزيز السلام والاستقرار في المحيط العربي والإقليمي والدولي، وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، ودعم مبدأ الاحترام المتبادل وتعزيز التضامن، والتمسك بمبادئ القانون الدولي.

 

الأمر الذي جعل الكثير من دول العالم تقتنع بأن مصر تتبع سياسة تتسم بكثير من العقلانية والاعتدال والتوازن، ودائمًا تسعى للأمن والاستقرار سواء على المستوى الإقليمى أو الدولي.

 

والحقيقة التى لا ينكرها إلا جاحد أو مغرض فإنه منذ  تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئاسة الجمهورية قبل 12 عامًا، حققت مصر نجاحات كبيرة وعظيمة في ملف العلاقات الخارجية، بعد أن عانت لسنوات عجاف من صعوبات ومشكلات في هذا الملف الحيوي؛ نتيجة للظروف الصعبة التى شهدتها مصر خلال الفترة التى سبقت توليه مقاليد الحكم، حيث

دخلت السياسة الخارجية المصرية مرحلة جديدة وتاريخية أكثر إشراقًا بعد الإطاحة بحكم أهل الشر في 30 من يونيو 2013،  وقد تبنت السياسة المصرية في عهده  عددًا من الأهداف والدوائر الحيوية، فبالإضافة إلى استمرارية الأهداف التقليدية للسياسة الخارجية المصرية، يمكن القول إن مرحلة ما بعد 30 يونيو تضمنت عدة أهداف يوجد بينها قدر من الترابط والتعاون والشق التاريخي بينها وبين العديد من دول المنطقة والعالم، أصبح لها أولوية في رؤية الدولة المصرية وتوجهاتها وعلاقاتها الخارجية والدولية.

 

النشاط المكثف للرئيس عبدالفتاح السيسي، على صعيد السياسة الخارجية وعلاقات مصر الدولية  طوال العقدين الأخيرين عزز مكانة مصر الإقليمية والدولية، وأسهم في تحقيق المصالح الوطنية للدولة في المجالات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، كما أسهم في تحقيق متطلبات الأمن القومي المصري وتعزيز القدرات المصرية في كل المجالات، وتوفير الدعم الخارجي والتعاون الدولي مع جهود التنمية الشاملة التي تشهدها مصر حاليًا.

 

وفى هذا الإطار يمكن القول إن مصر استعادت مكانتها ودورها المحوري لمصلحة شعبها والمنطقة والعالم، وهو ما عكسته زيارات وجولات الرئيس الخارجية لمختلف قارات العالم  من الولايات المتحدة الأمريكية غرباً وحتي اليابان شرقًا، ومن روسيا شمالًا حتي تنزانيا جنوبًا.

 

الملف العربي:

 

وكان الملف العربي حاضرًا بقوة في السياسة الخارجية المصرية  خلال  الفترة الأخيرة، حيث شهدت العلاقات المصرية الخليجية دفعة قوية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي حققت مزيدًا من توحيد الرؤى والمواقف الدولية المشتركة في مختلف قضايا المنطقة، فضلًا عن تعزيز أوجه التعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وكذلك بحث سبل مكافحة الإرهاب، وهو ما بدا ظاهرًا في تأكيد القيادة السياسية مرارًا وتكرارًا، على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن الدولة المصرية.

ونشطت السياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد الإخوان في العديد من الدوائر، منها الدائرة العربية، خاصة بعدها الخليجي، كما أسهمت في الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة السورية، كما نشطت في جهود تسوية الأزمة الليبية، وأسهمت كذلك في جهود دعم الشرعية اليمنية بالمشاركة في التحالف العربي لدعم الشرعية ونمت علاقاته مع العراق، واستمرت كذلك في الدعوة لإحياء عملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي، وأسهمت بدور أساسي في التواصل لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في منطقة هي الأكثر سخونة والملف الأصعب والتاريخي.

 

وبعد سنين عجاف شهدتها العلاقات المصرية الإفريقية بداية من عام 1995، عندما تعرض الرئيس الراحل مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا، واستمر تدهور العلاقات بعد تنحي مبارك وتولي الرئيس المعزول مرسي إلى أن جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي ليضع الملف المصري الإفريقي في مقدمة أجندته محاولًا بذلك إعادة إحياء العلاقات المصرية الإفريقية من جديد، كما وصلت هذه العلاقات ذروتها عندما تولت مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي لمدة عام، ناهيك عن زيارة الرئيس السيسي للبلدان التي رأى في زياراتها دفعة للعلاقات بينها وبين مصر، وبالفعل نجح في ذلك الأمر الذي قابله مساندة من بعض البلدان الإفريقية للقضية المصرية بشأن سد النهضة، وحرصت الدولة المصرية في عهد الرئيس السيسي على تأكيد جملة من الثوابت التاريخية والاستراتيجية، والالتزامات السياسية والعملية تجاه محيطها الإفريقي، في مقدمتها إعلاء مبادئ التعاون الإقليمي، والإسهامات المصرية في برامج الاتحاد الإفريقي، وقد عملت على تنمية دول القارة عمومًا، ودول حوض النيل خصوصًا، فضلًا عن تنوع سياسات وآليات التحرك المصري تجاه بلدان القارة بين تحركات سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية ومائية، فضلًا عن الدعم المصري الواسع لجهود التنمية البشرية، من خلال إيفاد آلاف الخبراء والمختصين في عشرات المجالات، واستقبال الآلاف من الأفارقة للتدريب في المعاهد والأكاديميات المصرية، وتنوع مجالات واهتمامات الصندوق الفني للتعاون مع إفريقيا التابع لوزارة الخارجية المصرية.

 

العلاقات المصرية مع القوى الكبرى:

 

كذلك استعادت مصر قدرًا كبيرًا من التوازن في علاقتها مع القوى الكبرى، من خلال استمرار العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفى الوقت نفسه فتحت آفاقًا جديدة للعلاقات مع قوى كبرى أخرى، مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وقد أوضحت أزمة غزة في أعقاب انطلاق عملية طوفان الأقصى وما تلاها من مجازر ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، الدور الذى يمكن أن تفعله الولايات المتحدة، دون الاستعانة بقوة إقليمية مهمة، هي الدولة المصرية، ما كان يمكن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل من خلال مؤتمر شرم الشيخ للسلام، وهو ما أعاد الدفء إلى العلاقات المصرية الأمريكية، وأكد أن العلاقات الدولية أساسها المصالح، وليس على الاعتبارات الأيديولوجية.

 

أخيرًا وليس آخرًا، فقد شهدت السياسة الخارجية المصرية تحركًا نشطًا في دوائر جديدة وفتح ملفات عديدة وحيوية، ومنها التوجه شرقًا ناحية آسيا، وكذلك دائرة شرق المتوسط، وقد اتضح أهمية هذا الملف الحيوي وضرورة التوجه نحو آسيا في العديد من زيارات الرئيس السيسي لدول القارة، ومنها: الهند واليابان والصين

وسنغافورة، وغيرها، وقد عكس هذا التوجه الآسيوي قناعة مهمة وتردد في العديد من الدوائر الرسمية وغير الرسمية أن القارة الصفراء هي قارة المستقبل، ليس فقط لأنها أكبر قارة في العالم وأكثرها سكانًا، ولكن أيضًا لأن ميزان القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في طريقه للانتقال لهذه القارة، حيث أصبحت ساحة لتحولات استراتيجية كبرى، وتشهد انتقال موازين القوى من الغرب إلى الشرق، من منطقة المحيط الأطلنطي إلى آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، ويتم على أرضها تحول العالم من حالة القطبية الأحادية إلى نظام دولي جديد قائم على تعدد الأقطاب، أطرافه هي الهند وروسيا والصين، بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية، ودعمت مصر علاقتها مع العديد من الدول الآسيوية، وانضمت إلى مبادرة حزام واحد طريق واحد، والتي تستهدف التعاون الاقتصادي بين الصين والدول التي كانت تمثل ما يعرف بطريق الحرير، كما شاركت مصر أيضا في تأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.

 

وعلى صعيد التعاون الأورومتوسطي ومنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، نذكر المنطقة التي أصبحت محل اهتمام استراتيجي واقتصادي عالمي نتيجة للاكتشافات العملاقة للغاز الطبيعي بها، والتي بدأ الاهتمام العالمي بها منذ اكتشاف حقل ظهر في السواحل المصرية عام 2015، والذى يعد أكبر الاكتشافات على الإطلاق بمنطقة شرق المتوسط وباحتياطات مؤكدة تتجاوز 30 تريليون قدم مكعبة، والذى أدي إلى تحول شرق المتوسط إلى منطقة استراتيجية واقتصادية كبرى وحيوية، وبدأ يظهر في إطارها تفاعلات وشراكات جديدة، ومشروعات للتعاون لم تكن موجودة من قبل، وطرح مشروعات وأوجه مختلفة للتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة، ومنها فكرة كيفية الاستفادة من محطات تصدير الغاز المسال الموجودة بمصر في ظل تمتع الدولة المصرية بالبنية التحتية القوية، والتي لم تعد تعمل بكامل طاقاتها من أجل تصدير غاز المتوسط للقارة العجوز، كما أسهمت تلك الاكتشافات في إنشاء منتدى شرق المتوسط للغاز مقره القاهرة، وقادت الجهود السياسية المصرية لتحويله إلى منظمة إقليمية، وقد نشطت السياسة الخارجية المصرية في هذه المنطقة، وتمثل ذلك في العديد من لقاءات القمة بين مصر وقبرص واليونان، بالإضافة لتعاون عسكري ومناورات مشتركة في شرق البحر المتوسط.

اترك رد