لم تعد الخبرة المصرية في إدارة الموارد المائية ترتبط فقط بإدارة الاحتياجات المحلية، بل باتت تمثل مساحة متنامية للتعاون وتبادل المعرفة مع الدول العربية والأفريقية، في ظل ما راكمته مصر من تجارب في معالجة وإعادة استخدام المياه، وتحديث نظم الري، وتوظيف البحث العلمي والتكنولوجيا في إدارة وتشغيل المنشآت المائية.
وفي هذا السياق، تتجه مصر والعراق إلى توسيع التعاون الفني في قطاع المياه، والاستفادة من التطبيقات المصرية التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من نطاق التجارب إلى مشروعات ونظم تشغيلية على الأرض، بما يفتح المجال أمام نقل ما يتناسب منها مع طبيعة المنظومة المائية العراقية.
وجاءت زيارة وفد فني رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية إلى مصر، ضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين، لتضع عددًا من مكونات التجربة المصرية تحت الدراسة المباشرة، بدءًا من إدارة الموارد والري الحديث، مرورًا بمعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وصولًا إلى الرقمنة والمراقبة المركزية والبحث العلمي.
وتلقى الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، تقريرًا من المهندس أيمن نضر، رئيس مصلحة الري، حول نتائج الزيارة، مؤكدًا أن إتاحة الخبرات المصرية للأشقاء العرب والأفارقة تمثل أحد مسارات التعاون في مجال المياه، بما يسمح بتبادل الحلول والتطبيقات التي أثبتت نجاحها والاستفادة منها وفق ظروف واحتياجات كل دولة.
وتصدرت تجربة معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي اهتمامات الوفد العراقي، خاصة مع ما شهدته مصر من توسع في هذا المجال عبر محطات الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة.
وأتاحت زيارة محطة الدلتا الجديدة للوفد التعرف ميدانيًا على أحد تطبيقات إعادة استخدام المياه، فيما أبدى الجانب العراقي اهتمامًا بالاستفادة من الخبرات المصرية ونقل التطبيقات التي تتلاءم مع احتياجات العراق.
ويعكس هذا الاهتمام أهمية إعادة الاستخدام كأحد الأدوات التي توسع القدرة على الاستفادة من الموارد المتاحة، من خلال معالجة المياه وإعادة إدخالها ضمن منظومة الاستخدام بدلًا من التعامل معها كمورد ينتهي دوره بعد الاستخدام الأول.
ومن هنا تكتسب الخبرة المصرية أهمية تتجاوز إنشاء محطات المعالجة ذاتها إلى إدارة دورة المياه بكفاءة أكبر، وربط البنية الأساسية بالتشغيل والمتابعة والتكنولوجيا.
التكنولوجيا تراقب شبكة المياه
وكان التحول التكنولوجي محورًا آخر في برنامج الزيارة، إذ اطلع الوفد على منظومة المراقبة والتحكم المركزية «SCADA»، وما توفره من أدوات لمتابعة وتشغيل منظومات المياه.
ويكشف هذا الجانب عن تحول تدريجي في مفهوم إدارة الموارد المائية، من الاعتماد على المتابعة التقليدية وحدها إلى منظومات تستفيد من البيانات والتكنولوجيا في مراقبة الأداء ودعم التشغيل واتخاذ القرار.
كما زار الخبراء العراقيون إحدى المزارع النموذجية التي تعتمد على نظم الري الحديث، للتعرف على التطبيقات المستخدمة في إدارة مياه الري على مستوى الحقل، بما يربط إدارة الموارد على المستوى القومي بكفاءة استخدامها في العملية الزراعية.
من المعمل إلى المجرى المائي
ولم تقتصر الزيارة على المشروعات والمنشآت، إذ احتل البحث العلمي موقعًا أساسيًا في البرنامج من خلال زيارة المركز القومي لبحوث المياه بالقناطر الخيرية.
وتفقد الوفد المعامل البحثية والنموذج الهيدروليكي لقناطر ديروط الجديدة، إلى جانب تجربة المكافحة البيولوجية للحشائش المائية، وهي من المجالات التي أبدى الجانب العراقي اهتمامًا بالاستفادة منها.
ويقدم هذا المسار أحد جوانب التجربة المصرية القائمة على ربط البحث العلمي بالمشكلة الميدانية، بحيث لا تبقى الدراسات داخل المعامل، وإنما تتحول نتائجها إلى أدوات يمكن اختبارها وتطبيقها في إدارة المنشآت والمجاري المائية.
ومن هذا المنظور، جاءت زيارة منطقة القناطر الخيرية لتتيح للوفد الاطلاع على جانب من التكامل بين المؤسسات البحثية والمنشآت المائية والتطبيقات التنفيذية.
رحلة إدارة المياه.. من التاريخ إلى التكنولوجيا
وحمل البرنامج كذلك بعدًا تاريخيًا وهندسيًا من خلال زيارة متحف الري بالعاصمة الجديدة، حيث تعرف الوفد على مراحل تطور إدارة وتوزيع المياه في مصر، وما صاحبها من تطور في هندسة منشآت الري.
وضمت الجولة نماذج ومجسمات للمنشآت الحديثة ووثائق توثق تطور المنظومة، فيما زار الوفد أيضًا مقياس النيل بالمنيل، في مشهد يجمع بين أدوات قياس النهر التي ارتبطت بتاريخ إدارة المياه في مصر، والتقنيات الرقمية المستخدمة اليوم في المراقبة والتشغيل.
وبين مقياس النيل ومنظومة «SCADA» تمتد رحلة طويلة في إدارة المورد المائي المصري؛ تغيرت خلالها الأدوات والتكنولوجيا، بينما ظل القياس والمعلومات أساسًا لاتخاذ القرار.
خبرة تتجاوز الحدود
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها تتجه إلى ما بعد التعرف على التجربة المصرية، نحو دراسة التطبيقات التي يمكن الاستفادة منها داخل العراق، خاصة في المعالجة وإعادة الاستخدام والري الحديث والمكافحة البيولوجية للحشائش.
وأشاد أعضاء الوفد بالتكامل بين البحث العلمي والتطبيق الميداني في مصر، وأبدوا تطلعهم إلى نقل الخبرات الملائمة لظروف بلادهم، بما يدعم تطوير منظومة إدارة الموارد المائية العراقية.
وهنا يأخذ التعاون المصري العراقي بعدًا عمليًا؛ فالمطلوب ليس استنساخ تجربة دولة في دولة أخرى، وإنما تبادل المعرفة واختيار الحلول التي يمكن تكييفها وفق طبيعة الموارد والبنية الأساسية والاحتياجات المحلية.
وبذلك تتحول الخبرة المتراكمة في إدارة المياه إلى أحد مجالات التعاون الفني المصري مع محيطه العربي؛ خبرة تبدأ من المعمل، وتمر بالمحطة والحقل والمنشأة، وتصل إلى نظم المراقبة والتحكم الحديثة.
ومن القاهرة إلى بغداد، تبدو المياه مساحة جديدة لتبادل المعرفة العربية، تستند إلى الخبرة والتكنولوجيا والبحث العلمي، وتضع الحلول التي أثبتت فاعليتها في خدمة إدارة أكثر كفاءة للموارد المائية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم