آية الصف تعيد ملف «جرائم الشرف» للواجهة.. هل يبرر العار إزهاق الروح؟
«الغضب لا يتحول إلى سلطة قضائية».. دار الإفتاء تحسم الجدل حول جرائم الشرف
بين الشك والاتهام والانتقام.. دار الإفتاء توضح حكم معاقبة الأسرة لأحد أفرادها
«حفظ العرض لا يعني إهدار الدم».. دار الإفتاء تكشف حقيقة غطاء الشرف في جرائم
أعادت واقعة مقتل الطالبة آية رضوان، في مركز الصف بمحافظة الجيزة، الحديث من جديد عن الجرائم التي يصفها البعض بـ«جرائم الشرف»، بعدما ارتبطت تفاصيل الواقعة المتداولة باتهام شقيقها بالتورط في قتلها عقب عودتها إلى منزل أسرتها، فيما تواصل جهات التحقيق إجراءاتها لكشف ملابسات الواقعة ودوافعها.
وبعيدًا عن التفاصيل التي لا تزال محل تحقيق، فإن الواقعة فتحت بابًا واسعًا أمام سؤال أكثر خطورة من تفاصيل الجريمة نفسها: هل يمكن أن يكون «الشرف» أو «العار» مبررًا لإزهاق روح إنسان؟ وهل يملك أحد أفراد الأسرة حق معاقبة شقيقته أو ابنته بنفسه إذا اعتقد أنها ارتكبت خطأ؟
ومن جانبه، قال الدكتور عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الدماء لها حرمة عظيمة، ولا يجوز للإنسان أن يستبيح دم غيره بدافع الغضب أو الانتقام أو بحجة الدفاع عن سمعة الأسرة.
وأضاف عويضة عثمان، في تصريح خاص لـ«اليوم»، أن حياة الإنسان لها حرمتها، ولا تتغير هذه الحرمة لمجرد وجود خلاف أو اتهام أو اعتقاد بارتكاب شخص آخر خطأ.
وأوضح أمين الفتوى أن رفض أي سلوك محرم أو مخالف للقيم الدينية لا يعني أن فردًا من أفراد الأسرة يملك حق تنفيذ العقوبة بنفسه، مؤكدًا أن الاتهام وحده لا يساوي حكمًا، وأن الشك لا يساوي يقينًا، والغضب لا يتحول إلى سلطة قضائية.
وأشار إلى أنه لا يصح التعامل مع تعبيرات من قبيل «قتل الشرف» أو «غسل العار» باعتبارها مبررًا شرعيًا للقتل، مؤكدًا أن حماية العرض والسمعة لا تكون بإهدار الدماء، ولا تتحول الأسرة إلى محكمة خاصة يصدر أحد أفرادها حكمًا على آخر ثم يتولى تنفيذه بنفسه.
وتابع أن حتى وقوع المعصية لا يجعل لأحد حق الانتقام الفردي أو إزهاق النفس، موضحًا أن مسائل العقاب والقصاص لها ضوابطها وجهاتها المختصة، ولا يملك أي فرد أن يجعل من نفسه قاضيًا ومنفذًا للعقوبة في الوقت نفسه.
وفيما يتعلق بالسؤال حول أحقية الأخ أو الأب في معاقبة شقيقته أو ابنته إذا ارتكبت فعلًا محرمًا، أكد عويضة عثمان أن ارتكاب المعصية لا يتحول إلى تصريح بالقتل، كما أن صلة القرابة لا تمنح أحدًا سلطة لمعاقبة الإنسان خارج إطار الشرع والقانون.
ولفت إلى أن التعامل مع أي واقعة تستوجب التحقيق أو المحاسبة لا يكون بالانتقام، وإنما من خلال الجهات المختصة، لأن الحكم على الأشخاص والوقائع ليس متروكًا للأفراد وفق انفعالاتهم وتقديراتهم الشخصية.
دار الإفتاء المصرية: حفظ النفس من مقاصد الشريعة
وتؤكد دار الإفتاء المصرية في فتاواها المنشورة أن الشريعة الإسلامية صانت النفس الإنسانية، وجعلت حفظها من مقاصدها الضرورية، مستندة إلى قول الله تعالى: «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا».
وهذا الأصل يؤكد أن التعامل مع الدماء ليس أمرًا عاديًا يمكن أن تحكمه الانفعالات أو الأعراف الاجتماعية، وإنما هو من أخطر أبواب الشريعة التي أحاطتها بضوابط وأحكام دقيقة.
ومن هنا، فإن الحديث عن «الشرف» لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يبرر الاعتداء على الحياة، كما أن أي اتهام أو شك في سلوك شخص لا يمنح فردًا آخر حق إصدار حكم نهائي عليه وتنفيذه بيده.
آية الصف.. التحقيقات هي الفيصل
وفي واقعة آية الصف، تظل التفاصيل النهائية ودوافع الجريمة من اختصاص جهات التحقيق، ولا يصح تحويل الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حقائق نهائية قبل اكتمال التحقيقات والإجراءات القانونية.
لكن القضية أعادت إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها: ماذا يحدث عندما يتحول الخوف من «العار» إلى اعتقاد بأن قتل أحد أفراد الأسرة يمكن أن يكون حلًا؟
الإجابة الشرعية تقوم على أصل واضح: حفظ العرض لا يعني إهدار الدم، والاتهام لا يساوي إدانة، والغضب لا يمنح صاحبه حق القتل.
وبينما تكشف التحقيقات ملابسات واقعة آية الصف، يبقى التأكيد على أن حياة الإنسان ليست ملكًا لأحد، وأن إطلاق مسميات مثل «الشرف» أو «العار» على جريمة قتل لا يغيّر من حرمة الدماء ولا يمنح الجريمة غطاءً دينيًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم