في الوقت الذي ملأ فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدنيا صياحًا قبل عدة شهور بأنه أوقف ثمان حروب منذ توليه مقاليد الحكم في ولايته الثانية، لدرجة أنه أكد جدارته الحصول على جائزة نوبل للسلام، نجده أشعل نيران الحرب ضد إيران نهاية فبراير الماضي، ولا أحد يعلم متى تضع هذه الحرب أوزارها، وقبلها الاعتداء على فنزويلا واعتقال رئيسها، وكذلك لا يتوقف ترامب عن دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي «نتنياهو» وحكومته المتطرفة رغم المجازر التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وكذلك في جنوب لبنان!!
ولعل خير دليل على ذلك ما نُشر مؤخرًا من تقارير صحفية تفيد اعتزام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال أسلحة إلى إسرائيل بقيمة نحو 3 مليارات دولار، وتشمل 40 ألف قنبلة زنة الواحدة منها 2000 رطل (نحو 907 كيلوجرامات)، وما صاحبها من موجة غضب واعتراضات بين أعضاء في الكونجرس الأمريكي وسياسيين أمريكيين.
فوفقًا لما ذكرته وسائل الإعلام الأمريكية، فإن كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، جريجوري ميكس، رفض بيع قنابل زنة 2000 رطل لإسرائيل بسبب مخاوف من عدم استخدام هذه الذخائر بما يتسق مع القانون الدولي.
ورغم التزام «ميكس»، النائب عن ولاية نيويورك، بأمن إسرائيل، لكنه قال: «الصفقة التي تقترحها إدارة ترمب لبيع 40 ألف قنبلة زنة 2000 رطل، وهي من أكثر الذخائر تدميرًا في ترسانتنا، تثير مخاوف خطيرة لم تُحسم بعد بشأن كيفية استخدام هذه الذخائر في المناطق المكتظة بالسكان في غزة ولبنان».
يأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين أنه سيعمل على عرقلة الصفقة، متهمًا ترمب بأنه «يرسل قنابل يدفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون إلى حكومة يقودها مجرم حرب مطلوب للعدالة».
فيما كتبت عضو الكونجرس السابقة الجمهورية مارجوري تايلور جرين: «نحن لم نصوت لصالح هذا. أمريكا لا تؤيد هذا. لقد استُخدمت أموال ضرائبنا وأسلحتنا في قتل عشرات الآلاف من الأبرياء».
وكشفت التقارير قول كبير المستشارين في البرنامج الأمريكي بمجموعة الأزمات الدولية، برايان فينوكين، إنه «بالنظر إلى الطريقة التي أدارت بها إسرائيل حربها الجوية في غزة، وإلى حد ما في جنوب لبنان، فهناك مخاوف حقيقية بشأن الكيفية التي قد تُستخدم بها مثل هذه الأسلحة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. وهذا بافتراض وجود أهداف عسكرية مشروعة من الأساس، إذ توجد مخاوف بشأن ما تعتبره إسرائيل أهدافًا عسكرية مشروعة»!!
وبدوره، وصف الصحفي والناقد السياسي المحافظ تاكر كارلسون الحزمة العسكرية بأنها «هدية» للحكومة الإسرائيلية، التي يراها «تعمل على إبادة سكان مدنيين عزل في غزة»، داعيًا أعضاء مجلس الشيوخ والمشرعين الأمريكيين إلى عرقلة الصفقة.
في ذات السياق، يرى محللون أن توقيت الخطوة متعمَّد من جانب إسرائيل، في مسعى إلى تثبيت دعم عسكري أمريكي واسع النطاق في الوقت الراهن، خشية أن تكون إدارة أمريكية مستقبلية أقل استعدادًا لتقديم دعم غير مشروط بالدرجة نفسها.
ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست ووكالة رويترز، فإن الصفقة تتضمن 20 ألف قنبلة من طراز «إم كيه-84» التي تُعرف بالمطرقة، و20 ألف قنبلة من طراز «بي إل يو-117»، و20 ألف رأس حربي خارق للتحصينات من طراز «آي-2000».
وستكون الصفقة، إذا أُقرت، أكبر من عمليات نقل سابقة لقنابل زنة 2000 رطل إلى إسرائيل خلال إدارتي جو بايدن وترامب، كما ستتجاوز صفقة أسلحة أثارت الجدل بقيمة 2.04 مليار دولار أُقرت عام 2025 وتجاوزت إجراءات المراجعة المعتادة في الكونجرس.
وتُعتبر قنبلة «إم كيه-84» من أكثر الذخائر التقليدية تدميرًا في الترسانة العسكرية الغربية، إذ يمكن لانفجارها قذف شظايا معدنية لمسافات بعيدة، فضلًا عن قدرتها على اختراق الخرسانة والمعادن السميكة وإحداث حفر كبيرة.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، شن الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة جماعية على قطاع غزة المحاصر، أسفرت عن استشهاد قرابة مائة ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 200 ألف، فضلًا عن دمار طال نحو 90% من البنية التحتية للقطاع.
وبالتوازي، وسّعت إسرائيل عدوانها على لبنان بشن غارات مكثفة على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، مما أسفر، حتى سبتمبر الجاري، عن مقتل نحو 10 آلاف شخص وإصابة ما يزيد على 30 ألفًا.
ويبقى السؤال المهم: لماذا تحتاج إسرائيل إلى 40 ألف قنبلة تزن الواحدة منها 2000 رطل؟ ولمن هذه الترسانة في الواقع؟
والإجابة باختصار أن هذا الأمر يكشف مدى الوحشية التي يتسم بها نظام ترامب، ويُظهر كيف أحكم المليارديرات اليهود الإسرائيليون قبضتهم بالكامل على هذا النظام وسيطروا عليه؛ فهم من يرسمون السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، بينما يكتفي ترامب بتنفيذ ما يطلبه منه نتنياهو!!
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم